عصر المواطن العالمي

صورة

عندما تم تطوير البرامج الحديثة للمواطنة من خلال الاستثمار في منتصف الثمانينيات ومطلع التسعينيات، كانت صناعة الهجرة الاستثمارية في طور التكوين، غير معروفة أو منظّمة، إلا أنها أصبحت اليوم من السمات المتطورة والراسخة في المشهد الاقتصادي، وهي تنمو بشكل أسرع في الشرق الأوسط أكثر من أي جزء آخر في العالم. ويتقدم آلاف الناس اليوم للحصول على الجنسية والإقامة كل عام، وبنهاية عام 2017، كان هناك أكثر من 30 برنامجاً نشطاً وناجحاً. ولكن ما هي الفائدة التي تحصدها الدول من إدارة برامج المواطنة من خلال الاستثمار، ولماذا يتلهف الأفراد للحصول على جواز سفر ثانٍ؟.

لقد أثمر ازدهار سوق المواطنة العالمية خلال العقد الماضي عن منح هذه الصناعة مصداقية وقبولاً واسعاً. وقد قامت جزيرة قبرص الأوروبية بإضفاء الشرعية على برامج المواطنة من خلال الاستثمار في عام 2011. وبعد عامين من ذلك، قامت كلّ من أنتيغوا وباربودا، وغرينادا في منطقة الكاريبي بإطلاق برامج المواطنة فيهما. وفي عام 2014، قدمت مالطا، العضو في الاتحاد الأوروبي، برنامج المستثمر الفردي، وهو البرنامج الوحيد من نوعه الذي تعترف به المفوضية الأوروبية.

وتكمن الفائدة الأساسية التي تحصل عليها الدول التي تدير برامج المواطنة من خلال الاستثمار في الاستثمارات المالية الكبيرة في اقتصاداتها المحلية. ويختلف كل برنامج عن الآخر من حيث البنية والتكلفة، ولكن تشترط جميعها القيام باستثمار أوليّ في البلاد، وغالباً ما تكون هذه التدفقات المالية كبيرة، وقد يكون لها آثار اقتصادية واسعة النطاق على معظم القطاعات.

ويساهم الاستثمار الأجنبي المباشر في توفير رأس المال للقطاع العام، على شكل تبرعات للحكومة ومدفوعات ضريبية واستثمارات في الخزينة، وللقطاع الخاص على شكل استثمارات في المؤسسات والشركات الناشئة والعقارات. ويمكن للدول استخدام الصناديق الاستثمارية التي توفرها برامج المواطنة من خلال الاستثمار في تمويل تطوير البنى التحتية وتحسين مستوى معيشة شعوبها، وقد تتمكن الدول التي تقوم بادخار هذه التدفقات من تحسين أدائها المالي، وتقليل الاعتماد على المساعدات الدولية، وخفض ديونها الوطنية.

وبصرف النظر عن هذه المكاسب الاقتصادية، فإن المتقدمين الناجحين يجلبون معهم فوائد غير ملموسة للبلدان التي تستقبلهم، مثل المهارات النادرة والشبكات العالمية الغنية. وهم يضفون شكلاً من التنوع ويساهمون في ارتقاء البلدان المضيفة من خلال مطالبتهم بخدمات أفضل وأكثر حداثة، وهو ما يخلق بدوره فرص عمل ومشاريع جديدة.

ومع تزايد أعداد المتقدمين المؤهلين كل عام، تتعزز مكانة الدول المضيفة على المستوى الدولي نظراً لزيادة قدرتها التنافسية. وهو ما يحمل بدوره فوائد أخرى للبلد تشمل الشهرة والاهتمام المتزايد من وسائل الإعلام وازدهار السياحة، مما يشجع المزيد من طلبات المواطنة من خلال الاستثمار.

وأما بالنسبة للمتقدمين، فإن فائدة جواز السفر الثاني أو الثالث لا تقتصر على حريّة السفر، فوجود جواز سفر بديل يمنح حامله الحق بالقيام بالأعمال والاستقرار في مجموعة أكبر من الدول والمناطق، كما يسمح بالحصول على جميع المزايا التي يتمتع بها المواطنون. ويخفف بشكل كبير من الإزعاج الناتج عن التقديم على التأشيرات وعمليات تبديل وتجديد جواز السفر.

وفي حين توفر المواطنة من خلال الاستثمار مكافآت ومزايا كبيرة للمستثمرين والبلد المضيف على حد سواء، إلا أنه يمكن كسب منافع متبادلة عبر إزالة العوائق التي تحول دون حرية السفر بدون تأشيرة. وعلى الرغم من أن هذه الفوائد ليست بحجم تلك التي توفرها برامج المواطنة من خلال الاستثمار، فقد اعتمدت الكثير من الحكومات هذا النهج.

وبالتالي، فإن إلغاء متطلبات الحصول على التأشيرة هو خطوة مفيدة في طريق الوصول إلى سفر بلا حدود، حتى وإن لم يكن يوفر المزايا نفسها للدول أو الأفراد كتلك التي توفرها برامج المواطنة من خلال الاستثمار. وتعد المواطنة البديلة حتى الآن الحل الأفضل من أجل حرية ومرونة التنقل الشاملة في العالم، ولهذا السبب يسعى خلفها الأفراد من أصحاب الثروات ممن لا يمانعون إنفاق مبالغ كبيرة للحصول عليها على أمل الوصول إلى فرص أفضل. وليس من المفاجئ أن يصبح هذا التوجه أكثر شعبية في الشرق الأوسط، حيث يجد الكثيرون من المنطقة بأن تحركاتهم وفرصهم مقيّدة بسبب جوازات سفرهم نتيجة عدم الاستقرار في بلدانهم.

مستقبل المواطنة العالمية

شهد قطاع المواطنة من خلال الاستثمار في السنوات الأخيرة، نمواً غير مسبوق، حيث يقدِّم الآلاف طلبات للحصول على الإقامة والجنسية البديلة كل عام. وهناك العديد من البلدان الآن التي يشكل إطلاق برامج مثيلة جديدة فيها أمراً منطقياً وجيداً، ومن المتوقع أن يستمر هذا القطاع في الازدهار مع ارتفاع الطلب على الجنسية البديلة.

وبينما ينمو القطاع من حيث الأهمية والانتشار، كذلك تنمو معارضة العامة لمبدأ «تسويق» المواطنة، وكذلك مخاوف المؤسسات متعددة الأطراف من ممارسات نقل الأموال والضرائب. ولذلك، فإن وجود ثقافة التنظيم والتدقيق الذاتية أمر ضروري جداً لنجاح هذا القطاع واستدامته.

التحدي الذي يواجه القطاع هو الاستدامة والجهوزية للمستقبل وتعزيز مكانته كمنارة للابتكار والتعاون والكفاءة المهنية والاستثمار المسؤول. إن صناعة المواطنة من خلال الاستثمار مهمة، ولا شك بأنها ستواصل ترسيخ حضورها.

* المدير الشريك لدى هينلي وشركاه في دبي، ورئيس العمليات لمنطقة الشرق الأوسط

تعليقات

تعليقات