الوعي الضريبي ترف أم ضرورة؟

عندما أعود بخيالي إلى سنوات المراهقة، أذكر قيامي وأصحابي لدى قفولنا إلى أرض الوطن، باسترجاع قيمة الضريبة المضافة بمطار الدولة الأجنبية، وقد غمرنا شعور لتمتعنا بحق استعادة جزء من الأموال التي أنفقناها في ابتياع السلع دون أصحاب البلد من مواطنين ومقيمين.

بيد أنه من جانب آخر، لاحظت الكثير من الأصدقاء والمعارف الذين اعتادوا التقاعس عن المطالبة بضريبة القيمة المضافة تفادياً للوقوف في طوابير طويلة لمدة تجاوز الساعة، لا سيما في أوقات الذروة.

وقد لفت موقع vatfree.com، المتخصص في مساعدة المتسوقين لاسترجاع ضريبة القيمة المضافة في دول الاتحاد الأوروبي، إلى أن قيمة المبالغ التي يهدرها السائحون من جراء عزوفهم عن استرجاعها، تتخطى ملايين اليوروهات سنوياً، وتصل نسبة الضريبة التي يمكن استردادها إلى 19%، وفق موقع globalblue.com، وشطر كبير من تلك الأموال عائد إلى السياح العرب، وغني عن البيان أنه كان بالإمكان استغلال تلك الأموال بشكل أمثل، إذا أعدنا استثمارها في أنفسنا وأهلينا وأوطاننا.

ربما يكون رد الفعل المبدئي الذي ينتاب المرء حالما تتناهى إلى مسامعه كلمة ضريبة هو التوجس أو النفور، وقد يرجع ذلك إلى الأفكار المشوّشة التي راكمها العقل الجمعي من أخبار متناثرة هنا وهناك في الصحف العالمية، أو عبر مشاهد يتيمة في المرئيات العربية والأجنبية ولتي ترسّخ علاقة متوترة مفترضة بين محصلي الضرائب وعموم الشعب، علاوة على طائفة من الممارسات السلبية العالقة في الأذهان كعمليات التهرب الضريبي، وقد يرجع النفور كذلك إلى عدم تقبّل النفس البشرية عموماً إعطاء المال بقدر ما تسعد بالحصول عليه.

لهذا من الأهمية بمكان تغيير الصورة النمطية للضرائب التي لا تمت غالباً إلى الواقع بصلة، فالضرائب ليست عقوبة تُوقّع على الشخص المخالف كأداة ردع، بل هي مبلغ يتم استيفاؤه من الأشخاص الخاضعين لنطاق تطبيق الضريبة، وغايتها إعادة تدوير تلك المبالغ لتصب في المصلحة العامة، أي تعود في نهاية الأمر بالفائدة على دافعيها.

ومما يجب على دافعي الضرائب إدراكه، أن عوائد الضرائب متعددة المنافع، كشجرة متعددة الثمار، فعلى سبيل المثال لا يتوقف نفع الضريبة على تمويل النفقات الحكومية فحسب، بل يتعداها إلى كشف مصادر تمويل الأعمال، ثم تجنب تدفق الأموال غير المشروعة الناتجة عن الأعمال غير القانونية، كالاتجار بالبشر وغسيل الأموال، إلى جانب التأثير في أسعار عدد من السلع، لتقليل أضرارها على أفراد المجتمع، كالضريبة الانتقائية التي تُفرض على التدخين ومشروبات الطاقة، وهلمّ جراً.

مما لا شك فيه أن الهيئة الاتحادية للضرائب لم تألُ جهداً في تدشين حملة توعية شاملة ومدروسة أُشيد بها على نطاق واسع، شملت جميع الأطراف المعنية، كالجهات الحكومية وأصحاب الأعمال والمستهلكين، عن طريق العديد من الوسائل الفعّالة، كموقعها الإلكتروني والإعلام وورش العمل.

يجدر بالذكر أن أهم حلقة في السلسلة بناءُ الوعي، فصاحب الأعمال يعي واجباته الضريبية عبر آلية تُنجز على المدى القصير، أما توعية المستهلكين فيصب التركيز عليها على المدى الطويل. قد يقول قائل إن المستهلك ليس له دور ملموس في سلسلة التوريد الضريبية، وعليه فليس هناك ما يدعو إلى إقحامه في عملية معقدة هو ليس طرفاً فيها.

ولكن يجب عدم الالتفات عن حقيقة أن المستهلك بالذات هو الحلقة المحورية في النظام الضرائبي، فهو المستهدف بالضريبة وتحمّل عبئها، علاوة على أن المستهلك قد يكون صاحب أعمال في يوم من الأيام، ومن ناحية أخرى فصاحب الأعمال نفسه يعتبر مستهلكاً لخدمات وسلع أخرى، فالمعرفة ليست قاصرة على فئة دون أخرى.

من هذا المنطلق، قد يكون أفضل سبل بلوغ هدف التوعية الضريبية على أسس متينة هو بدء عملية التوعية مع النشء، فهناك فرق شاسع بين أن يتعرف دافع الضريبة إلى واجباته متأخراً عند دخوله معترك الحياة وبين أن يتشرّب حقوقه وواجباته الضريبية منذ نشأته، لذا سيكون من المفيد إطلاع المراهقين من مقاعدهم الدراسية على أوليات النظام الضريبي، بشكل مبسط يناسب المراحل التعليمية التي يجتازونها، وبمراعاة قدراتهم الذهنية، فلا يُتم الطلبة مرحلة الدراسة الثانوية إلا وقد تشرّبوا فكرة الضريبة متقبلين بكونها واجباً وطنياً.

ومن أبرز التجارب الدولية «مجلس التربية الاقتصادية» في الولايات المتحدة، الذي يوفر متطلبات الدراسية المالية والاقتصادية للطلبة، بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، ومن بينها دروس تتعلق بالضرائب التي عادةً ما تبدأ مع الصف التاسع.

ومن التجارب الناجحة تلك المطبّقة في أستراليا، حيث شرع «مكتب الضرائب الأسترالي» في إطلاق مبادرة تتضمن مورداً تعليمياً مجانياً عبر الإنترنت، متلائماً مع المنهج الدراسي الأسترالي، يحوي نظام إدارة تعلّم متكاملاً، يشمل وسائل تفاعلية حديثة بصرية وسمعية ورسوماً متحركة بأسلوب ممتع.

فتشكيل الوعي الضريبي في سن مبكرة سيكون له أيما تأثير إيجابي في النظام الضرائبي الذي سوف تتسع قاعدته مع مرور الوقت في المجتمع وأفراده، منشئاً جيلاً واعياً واجباته متفهماً حقوقه.

 

 

تعليقات

تعليقات