«ابتكار الوجهات» ارتقاء بأسلوب العيش

في ظل استمرار النمو العمراني السريع، والتغير الديمغرافي الذي تشهده المنطقة، أصبحت مهمة ابتكار وجهات جذابة، تمنح السكان إحساساً بالانتماء والارتباط الإنساني بمجتمعاتهم، أكثر صعوبة. وبالنسبة لدولة الإمارات، فهي تنعم بتراث ثقافي غني، وتمتلك إمكانات هائلة لرعاية ودعم الإبداع والابتكار. ولتحقيق الاستفادة المثلى من هذه الإمكانات، تركز حكومة دبي بشكل كبير، على المفاهيم المبتكرة في قطاع العقارات، بالتعاون مع شركات القطاع الخاص، لتحقيق رؤيتها بتحويل الإمارة إلى إحدى أكثر الوجهات العالمية جذباً للسكن والاستقرار والعمل والترفيه.

كيف يمكننا، كشركات تطوير عقاري، الاستفادة من الأصول والطموحات والإمكانات التي يمتلكها المجتمع المحلي، وجعلها مصدر إلهام لتطوير وجهات عامة تعزز رفاهية وسعادة الناس؟، نحن في «ماجد الفطيم»، نعتبر مفهوم «ابتكار الوجهات» (Placemaking)، من أحد أهم المحركات التي ستسهم في دعم وتحفيز التنمية المجتمعية في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما نعتقد أن قطاع العقارات في الدولة، مهيأ للتغيير والتطور، بالاعتماد على «ابتكار الوجهات»، وذلك ببساطة، لأن دولة الإمارات قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من النضج، ورسّخت مكانتها كدولة رائدة إقليمياً، ونموذج متميز للنمو والتحول.

واليوم، سواء كان الناس يبحثون عن عقارات للاستثمار أو للسكن، أو قدموا للزيارة فقط، فهم بحاجة إلى وجهات حيوية، تمنح شعوراً بالدفء والانتماء، وتترك ذكريات محببة لا تنسى. لذا، يركز مفهوم «ابتكار الوجهات» على هذه الاحتياجات، لأنه يقوم على اعتقاد راسخ بأن المجتمعات الناجحة، هي تلك التي تمنح السكان أو الزائرين قيمة إنسانية وعاطفية، وليس فقط مزايا عملية.

وهذه الظاهرة ليست جديدة، إذ يوجد العديد من الأمثلة لمدن تطوّرت وتحوّلت بالاعتماد على النمو الاقتصادي والتغيير في أسلوب الحياة. وعلى مر السنين، استلهمت مدن عدة، مثل لندن ونيويورك وسيدني، من ثقافات الناس وتوجهاتهم واحتياجاتهم، لتتطور وتنمو، بحيث تحولت بعض المناطق الرئيسة، التي لم تكن من الوجهات المقصودة، إلى أماكن متميزة، تستقطب الزوار، بفضل طابعها وسماتها الفريدة.

ويضفي مفهوم «ابتكار الوجهات»، طابعاً فريداً للمشاريع العقارية بطرق عديدة، حيث يستند في جوهره إلى ميزات المشروع التي تحقق قيمة وظيفية، كالجودة والموقع، مع دمج ميزات أخرى تولد قيمة عاطفية، كأصالة الفكرة وتميزها، والتنوع والتفاعل الاجتماعي.

على سبيل المثال، حيّ البستكية في دبي، الذي تأسس في القرن التاسع عشر، هو من أعرق المناطق السكنية في الإمارة، التي تزخر بالمباني الأصيلة وأبراج الرياح والمقاهي والمعارض الفنية. أما شارع السركال، فقط شهد نمواً سريعاً، ليصبح واحداً من أكثر المناطق الحضرية الحديثة جاذبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تشتهر باحتضان ودعم الإبداع والتبادل الثقافي. ويتميز هذا المكان بمفاهيمه البسيطة والفريدة من نوعها، حيث يجمع بين نمط الحياة المعاصرة، والتراث الأصيل، الذي يجعل منه منطقة محببة للناس، تحفز على اللقاء والتحدث والتفاعل مع المحيط.

وتؤكد دراستنا حول الدوافع التي تنمي الارتباط العاطفي بالمشاريع الحضرية والمجتمعات المحلية، تأثير مفهوم «ابتكار الوجهات». واستخدمنا في هذه الدراسة، تقنية علم الأعصاب، لقياس كيفية استجابة الناس في دولة الإمارات العربية المتحدة في حالتي الوعي واللا وعي، لمختلف صور المشاريع الحضرية من جميع أنحاء العالم. ووجدنا من خلال هذا البحث، أن الأنشطة البشرية والمساحات الخضراء والسمات الفنية والألوان الزاهية، هي أقوى محركات التفاعل العاطفي والانجذاب للوجهات والبيئات المختلفة.

وعندما قمنا بتطوير مشروعنا المطل على الواجهة البحرية في سلطنة عمان، الموج مسقط، أخذنا هذه المبادئ في عين الاعتبار، واستندنا إليها لبناء وجهات فريدة من نوعها، صممت خصيصاً لتلبي احتياجات الناس للعيش والعمل والترفيه. فعلى سبيل المثال، تم التخطيط لوجهة «متنزه الشاطئ» في المشروع بعناية وإتقان، للتشجيع على التفاعل الاجتماعي، من خلال مرافقها التي تجسد الثقافة البحرية العمانية. ومن خلال كل نشاط إنساني يومي بسيط داخل المجّمع، سواء كان سوقاً مفتوحاً أو أمسية مشاهدة الأفلام في الحديقة، نسعى إلى تأسيس نسيج اجتماعي متماسك، ضمن الأحياء السكنية والمرافق العامة.

ويزخر سوق العقارات العالمي، بالأمثلة التي تبين دور«ابتكار الوجهات» في تحويل وتطوير المجتمعات، من خلال إضافة الميزات التي تتخطى المرافق التقليدية، مثل الملاعب والحدائق العامة، كالاستثمار في الأنشطة الثقافية، وإتاحة مزيج من الخدمات والمزايا. وتركز هذه المشاريع أيضاً، على تنوع وسائل النقل، من خلال العمل مع الحكومات، على تقديم خيارات نقل بديلة، والتركيز على تيسير حركة المشاة قبل أي وسيلة نقل أخرى، لمنح السكان الإحساس الفعلي بالانتماء للمكان والمجتمع.

يعد بناء المجمعات السكنية، عملية معقدة، لا تقوم فقط على أعمال الإنشاءات، ولكنها تعتمد على شبكة متنوعة من الناس والثقافات، التي تمنح مشاريع المدن المتكاملة، التفرد الذي يطلبه المشترون اليوم لتلبية احتياجاتهم المتنامية، وهو ما يعد الجانب الأصعب والأكثر أهمية لتطبيق مفهوم «ابتكار الوجهات».

يتطلب «ابتكار الوجهات»، وضع الناس في مقدم الأولويات، وتطوير الأماكن العامة بشكل يعزز الفرص للاستمتاع بالحياة، ويوفر أسعد اللحظات لكل الناس كل يوم. ولذلك، نحن نؤمن في «ماجد الفطيم»، بأن هذا المفهوم هو محرك أساسي لاستدامة التنمية المجتمعية على المدى البعيد محلياً وإقليمياً. ويعد تشجيع الرفاه الاجتماعي والارتقاء بنمط حياة الناس، هدفاً أساسياً لدولة الإمارات العربية المتحدة، وركيزة مهمة لبناء مجتمع متماسك وسعيد. وهي رؤية تلهمنا إلى إرساء معايير متميزة لـ «ابتكار الوجهات» في كل الدول التي نطوّر فيها مشاريعنا للمدن المتكاملة.

 

الرئيس التنفيذي لمشاريع المدن المتكاملة لدى «ماجد الفطيم»

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon