سياسات التنوع الاقتصادي بعيــــــــــــــــــداً عن النفط تجدد فتح الملف

ارتـبــاط الـدرهـم بالــدولار مظلـــــــة استقرار نقدي ومالي للإمارات

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

رغم مرور أكثر من أربعة عقود من الزمان على انتهاج دولة الإمارات لسياسة ارتباط الدرهم بالدولار الأميركي، ورغم التأكيدات العديدة والمتكررة من الجهات المختصة وفي مقدمتها المصرف المركزي على عدم وجود نية لفك هذا الارتباط، ورغم أن تجارب عديدة خلال العقود الماضية أثبتت نجاح هذه السياسة، إلا أن قضية جدوى ارتباط العملتين تطفو على السطح من وقت لآخر، خصوصاً مع سياسات التنوع الاقتصادي بعيداً عن النفط.

وخلال الشهور الأخيرة ومع الارتفاع الكبير والمطرد لسعر صرف الدرهم (المرتبط بالدولار) مقابل معظم العملات العالمية، عاد الجدل من جديد في الأوساط المصرفية والمالية حول هذه القضية، وما إذا كان من الأفضل للاقتصاد الوطني عموماً والقطاع المصرفي خصوصاً استمرار ارتباط الدرهم بالدولار في المرحلة الراهنة أم أنه من الأفضل فك هذا الارتباط الذي استمر لسنوات عديدة والاتجاه للارتباط بـ «سلة عملات».

مظلة

وطرح «البيان الاقتصادي» هذا الملف على مسؤولين وخبراء مصرفيين وماليين، حيث تباينت الآراء بصورة ملحوظة إلا أن الغالبية العظمى أجمعت على أنه لا يجب اتخاذ قرار بفك هذا الارتباط في المرحلة الراهنة أو على المستوى القريب مؤكدين أن الربط الثابت لسعر صرف الدرهم مقابل الدولار الأميركي الذي يمثل أساساً للسياسة النقدية في الدولة يشكل «مظلة آمنة تكفل الاستقرار النقدي والمالي» وإن كانت بعض هذه الآراء دعت إلى تشكيل لجنة فنية تراقب تطورات هذه القضية مستقبلاً بشكل مستمر ودائم للتعامل مع أية متغيرات إقليمية ودولية تتعلق بهذا الموضوع الحيوي.

وأفاد مسؤولون وخبراء بأن ارتباط الدرهم بالدولار ساهم في تدعيم عملة الدولة وتحقيقها مكاسب جيدة أمام العملات الرئيسة، مشيرين إلى أن سياسة الإمارات المالية المعتمدة على ارتباط الدرهم بالدولار أثبتت نجاحها خلال الفترة الماضية فظهر ذلك جلياً خلال أزمة ديون اليونان ثم أزمة منطقة اليورو، وأخيراً ما تعرض له الجنيه الاسترليني بعد الاستفتاء البريطــــاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث انخفض اليورو وكذلك الجــــنيه الاسترليني بصورة كبيرة مقابل الدرهم مما يمكن الإماراتيين من دفع دولارات أقـــل في مقابل سلع أوروبية أكثر مما يعني انخفاضاً متوقعاً بمعدلات التضخم محلياً خلال الفترة المقبلة.

احتياطيات

وأكد معالي مبارك راشد خميس المنصوري محافظ المصرف المركزي، التزام دولة الإمارات بسياسة ربط سعر الصرف للدرهم بالدولار، مشيراً إلى أن هيكل احتياطيات المصرف المركزي يعكس هذا الربط الثابت لذلك فإن هذه الاحتياطيات في معظمها هي بالدولار الأميركي.

وقال إنه لا توجد أي نية لتغيير سياسات المصرف المركزي المتعلقة بارتباط الدرهم بالدولار الأميركي، مشيراً إلى أن قيمة شهادات الإيداع التي يصدرها المصرف المركزي شهدت مستويات جيدة خلال الفترة الماضية في مؤشر على تحسن السيولة لدى البنوك الذي أدى إلى الاتجاه العام نحو شراء شهادات الإيداع التي تعتبر أداة استثمارية مستقرة وآمنة لاستثمار السيولة الفائضة.

استقرار

وقال صالح عمر عبد الله مدير معهد الإمارات للدراســات المصرفية والمالية، إن الربط الثابت لسعر صرف الدرهم مقابل الدولار الأميركي ضمن السياسة النقدية ساهم في تحقيق الاستقرار النقدي والمالي في الدولة ومواجهة العديد من الأزمات العالمية بكفاءة واقتدار.

وتوقع أن يواصل المصرف المركزي سياسته الخاصة بالاعتماد الأكبر على ربط العملة المحلية بالدولار مواصلاً سياساته السابقة التي أثبتت نجاحها في معظم الفترات والتطورات، مشيراً إلى أن الإمارات فضلت ربط الدرهم بالدولار منذ سنوات عديدة بدلاً عن تعويمه أو اعتماد سلة عملات عالمية.

وأضاف صالح عمر عبد الله أن الدولار لا يزال يعد أكثر عملات العالم سيطرة على عملات المخزون العالمي معرباً عن اعتقاده بأن المصارف العاملة بالدولة البالغ عددها 58 مصرفاً وطنياً وأجنبياً كان يمكن أن تتأثر سلباً إذا أقدمت الإمارات على خطوة فك ارتباط الدرهم بالدولار عندما كانت هناك دعوات لذلك في فترات سابقة لأن معظم استثمارات هذه المصارف مقيمة بالدولار وعملية إعادة التقييم كانت ستؤدي إلى خسائر كبيرة لهذه المصارف.

وأكد أن الأحداث التي وقعت في السنوات الأخيرة ة في اليونان ومنطقة اليورو ثم توجه المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي برهنت على بعد نظر مسؤولي المصرف المركزي ورجاحة سياسة الدولة النقدية في ربط الدرهم بالدولار في ظل ارتفاع الطلب على الدولار واتجاه البنوك العالمية والمستثمرين إلى الدولار كبديل لليورو والنفط.

تجارة

وقال أمجد نصر الخبير بالصيرفة الإسلامية إن ارتفاع الدرهم خلال الفترة الأخيرة جاء نتيجة ارتباطه بالدولار وهو ما ينعكس إيجابياً على المنتجات المستوردة من أوروبا واليابان كما أن المنتجات الواردة من الولايات المتحدة كالإلكترونيات والسيارات وغيرها التي ارتفعت قيمتها في الدول التي تراجعت عملاتها أمام الدولار لا تزال أسعارها مستقرة في الإمارات نظراً لربط الدرهم بالدولار مما يساهم في تحقيق انتعاش تجاري بأسواق الدولة.

وأضاف أن المواطنين والمقيمين بالدولة لمسوا بالفعل انخفاض أسعار بعض السلع القادمة من دول أوروبا واليابان خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد الوطني على سياسات الاقتصاد الحر مما يجعل تأثيرات المتغيرات في أسعار العملات عالمياً تظهر آثارها بوضوح في الأسواق المحلية.

وأكد أن سياسة ربط الدرهم بالدولار التي يطبقها المصرف المركزي منذ سنوات عديدة وفرت الاستقرار النقدي والمالي، حيث تستفيد دولة الإمارات بصادراتها النفطية المقومة بالدولار من قوة الدولار مما يقلل إلى حد ما من التأثيرات السلبية لانخفاض أسعار النفط على الإيرادات النفطية للدولة.

وأضاف أنه رغم هذه الفوائد إلا أن هناك بعض القطاعات الاقتصادية تتعرض لتأثيرات سلبية خصوصاً بالسياحة والخدمات والصناعات التصديرية التي ترتفع تكلفتها مع ارتفاع العملة المحلية ومن الممكن أن تقل قدرتها التنافسية على الصعيد الإقليمي والدولي داعياً العاملين والمعنين بهذه القطاعات إلى دراسة هذه المتغيرات والتعامل معها بحرفية من خلال استكشاف أسواق جديدة ومحاولة تقليل تكلفة الإنتاج بالاعتماد على مكونات ومواد خام يمكن استيرادها من الدولة التي تراجعت عملاتها مقابل الدرهم مما يوجد قدر أكبر من التوازن في هذه القطاعات ويقلص التأثيرات السلبية عليها.

جاذبية

من جانبه قال المستشار الاقتصادي محمد سعيد محمد الظاهري إن البنوك الإماراتية تتمتع بإدارة عالية للمخاطر ولديها سيولة جيدة تمكنها من مواجهة أية تطورات، مشيراً إلى أن الدولار الأميركي في ظل الأوضاع الراهنة أصبح أكثر جاذبية وأثر ارتفاع سعر صرف الدولار في ثبات سعر فائدة «الليبور» بالنسبة للدولار بعدما كان في انخفاض مستمر.

وأشار إلى أنه على الرغم من وجود إيجابيات وسلبيات لسياسة ارتباط الدرهم بالدولار إلى أن الإيجابيات تتفوق بدرجة كبيرة على السلبيات التي يمكن تقليلها بأساليب اقتصادية متنوعة، مشيراً إلى أن هذا الارتباط يوفر فرصاً استثمارياً واعدة أكثر تنوعاً، مؤكداً أن هذه السياسة تحتاج إلى دراسة دقيقة ومستمرة لجميع التغيرات الاقتصادية في مختلف القطاعات حتى لا يتم الاعتماد على زاوية رؤية أحادية.

وأكد أن السياسات النقدية التي تتبعها دولة الإمارات تتميز بالتوازن والحكمة والمرونة في مواجهة التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي من وقت لآخر خصوصاً في ظل متانة واستقرار النظام المالي الإماراتي الذي يكتسب قوة إضافية بارتباطه بالاقتصاد الأميركي الذي يعد من أقوى الاقتصادات بالعالم.

استثمارات

وأضاف أن الارتباط يوفر عوامل أكثر استقراراً للاستثمارات الإماراتية التي يقوم معظمها بالدولار، مشيراً إلى أن الارتباط أدى إلى انخفاض أسعار معظم السلع المستوردة وبالتالي تخفيض مستويات التضخم كما انخفضت تكاليف المشاريع الضخمة التي تعتمد في بنائها وتشغيلها على الواردات مما قد يؤدي لإنعاش العديد من القطاعات الاستثمارية محلياً.

وذكر الظاهري أنه يمكن التغلب على السلبيات المتعلقة بتباطؤ تدفق الاستثمارات الأجنبية للإمارات من بعض الدول التي انخفضت عملاتها أمام الدرهم من خلال تقديم حوافز استثمارية أكبر من الحالية لتشجيع جذب الاستثمارات من هذه الدول ومن الدول الأخرى التي لم تتعرض عملاتها للانخفاض.

فائدة

وقال طارق قاقيش رئيس إدارة الأصول في «المال كابيتال» أن البنوك الإماراتية تتمتع بإدارة عالية للمخاطر ولديها فائض كاف من العملات الأجنبية يمكنها من مواجهة أية تحديات، مشيراً إلى أن الدولار الأميركي في ظل الأوضاع الراهنة أصبح أكثر جاذبية وأن ارتفاع سعر صرف الدولار أثر في ثبات سعر فائدة «الليبور» بالنسبة للدولار بعدما كان في انخفاض مستمر.

وذكر أن سياسة الإمارات المالية المتمثلة في ارتباط الدرهم بالدولار أثبتت نجاحها خلال الفترة الماضية فبالنظر إلى انخفاض اليورو والجنيه الاسترليني ومعظم العملات الأخرى في العالم مقابل الدرهم يظهر بوضوح أن هذه السياسة تصب في مصلحة الواردات الإماراتية من دول عديدة مما يغير في الميزان التجاري ويجعله يميل لدولة الإمارات تدريجياً، حيث يمثل التبادل التجاري الإماراتي مع منطقة اليورو مثلاً نسبة كبيرة من إجمـــالي حجم التبادل التجاري للدولة وأدى ارتباط الدرهم بالدولار وانخفاض العملة الأوروبية إلى إتاحة الفرصة للمستوردين المحليين للتركيز على الأسواق الأوروبية واليابانية وغيرها للاستفادة من انخفاض فاتورة الاستيراد نتيــــجة تراجع العملة الأوروبية تجاه الدولار وبالتالي تجاه الدرهم.

تنشيط

وأكد قاقيش أنه على الجانب الآخر مطلوب السعي لتقليل الآثار السلبية لهذا الارتباط على بعض القطاعات ومنها القطاع السياحي، حيث يجب تنشيط أسواق جديدة لتعوض النقص المحتمل في أعداد السياح القادمين من بعض الدول الأوروبية والآسيوية نتيجة زيادة تكلفة رحلاتهم السياحية للإمارات بسبب انخفاض قيمة عملاتهم أمام الدرهم.

أما أحمد سيف الدين مدير عام شركة ضمان للأوراق المالية فأشار إلى أنه استناداً لهذا الربط الثابت يقوم المصرف المركزي بتغيير سعر الفائدة على إعادة شراء شهادات الإيداع التي يصدرها فيما يعرف بعمليات «الريبو» حسب تغير سعر الفائدة على الأموال الاتحادية في الولايات المتحدة الأميركية.

صعوبة

واستبعد سيف الدين أن يتم فك ارتباط الدرهم بالدولار في المرحلة الراهنة وأن يظل سعر صرف الدرهم مقابل الدولار ثابتاً لفترات طويلة مقبلة، معرباً عن اعتقاده بصعوبة أن تقدم دولة الإمارات على هذه الخطوة بالتحول من ربط عملتها من الدولار إلى سلة عملات نظراً لأن الإمارات ترتبط بالدولار منذ عشرات السنين وبالتالي فإن معظم الاستثمارات والاحتياطيات مقومة بالدولار ويصعب التحول المفاجئ الذي قد يؤدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة.

وتوقع أن يواصل المصرف المركزي سياسته الخاصة بالاعتماد الأكبر على ربط الدرهم بالدولار، مشيراً إلى أن الإمارات فضلت ربط الدرهم بالدولار منذ سنوات عديدة بدلاً عن تعويمه أو اعتماد سلة عملات عالمية.

وأوضح أن تنامي الاحتياطيات الأجنبية في الدولة من الدولار يعكس النمو السريع في عائدات الصادرات الإماراتية من النفط وبشكل عام إلى الولايات المتحدة واليابان فعندما يستعيد الاقتصاد الوطني الدولارات من خلال بيع النفط المقوّم بالدولار في الخارج يقوم المصرف المركزي بتبديل الدولارات إلى العملة المحلية وأحياناً يقوم بشراء الدولارات كاملة من الحكومة والبنوك العاملة بالدولة ليبطئ ارتفاع قيمة الدرهم ويتم استخدام تلك الدولارات لبيعها لدعم الطلب على العملة المحلية وبالتالي منع المضاربات وعادة ما يدعم المصرف المركزي أرباحه من خلال ارتفاع موجوداته من العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الفائدة عليها إضافة إلى استثمار جزء من أصوله في سندات أجنبية.

تمويل

أشار أحمد سيف الدين إلى أنه رغم الارتفاعات المتتالية لسعر الفائدة إلا أنه ظل يدور حول مستويات معقولة ولم تؤثر على عملية الإقراض الاستثماري بصورة كبيرة لأنها ظلت عند حدود معقولة، مؤكداً أنها لم تؤثر سلباً على البنوك لأن الجزء الأكبر من الزيادة في تكلفة الحصول على الأموال التي تتحملها البنوك يتم تعويضه إلى حد كبير بالزيادة في سعر الإقراض وإن كان هذا التعادل يستغرق بعض الوقت تتحمل فيه البنوك الفرق الناتج عن زيادة أسعار الفائدة.

طباعة Email