خلال لقاء ذكريات يغلفه الحنين والوفاء

حمد بن سوقات.. نبض القصيد في حب زايد

صورة

مجالستك مَن عاصروا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليست كمجالستك من رافقوه في حله وترحاله، هنا يتوقف التاريخ لحظات، فيتراءى الماضي أمامك بأبهى صوره؛ بنقائه وأصالته، فلا تملك إلا أن تنصت، تسأل، وتحاور، لتشبع فضولك عن تلك الحقبة الذهبية في تاريخ الوطن، والتي أسست لإمارات الخير والسلام على مر العصور، وقد يدفعك الشغف إلى كثرة التساؤل على الرغم من كبر سن الضيف وصاحب الشهادة، لعلك تظفر بما يشبع فضولك، ويروي ظمأك، فالتاريخ أمامك كتاب مفتوح، ما عليك إلا أن تختار الفصل الذي تود أن تقرأه، لكن مع اختلاف بسيط أن القراءة هذه المرة بصوت شاعر رافق قائداً بقامة زايد؛ هكذا كان حالنا عندما استقبلنا الشاعر الوالد، حمد بن سوقات في مكتبه الكائن بـ«مركز بن سوقات».

مع القائد

بن سوقات، أحد الذين رافقوا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وكان من المقربين منه، ودارت بينه وبين المغفور له، كثير من المجاراة الشعرية؛ لعل أبرزها قصيدة «لا تحرم النفس»، التي يقول الشيخ زايد بن سلطان في مطلعها: «يا حمد كيف اختفى صوتك.. عقب ما انته تسجع الونّه» فرد عليه بن سوقات بقصيدة تماثلها في الوزن والقافية وعدد الأبيات بعنوان «يا حبيب الشعب» التي يقول في مطلعها «مرحبا يا حي ببيوتك.. لي لفت بأشعار موزونه».

جدار الذكريات

ما إن ولجت المكتب الخاص به، حتى وجدت على أحد جدرانه صوراً قديمة للشاعر في مختلف مراحل حياته، مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وعدد من شيوخ الدولة، ابتسمت له وقلت «علّه جدار الذكريات»، تنهد وقال: زايد لم يكن رئيساً فقط، بل كان أباً وقائداً ذا عقلية سياسية، قل نظيرها.

جليس الشعراء

يجلس الرجل بعدما كان واقفاً، ويتناول فنجاناً من القهوة العربية ويقول: كان رحمه الله، يرى أن نمو المجتمع الإماراتي الجديد لا يمكن أن يتم بعيداً عن الماضي، لذلك اهتم بالشعر والشعراء، خصوصاً شعراء النبط، الذين كانوا يجتمعون في مجلسه يعرضون عليه نتاجهم الأدبي، وكان يجاريهم بقريحته الشعرية؛ فما إن يلقي أحد شاعر قصيدته حتى تجد الشيخ زايد بكل عفوية يرد عليه ببيت أو بيتين.

قصائد متبادلة

يمسك بن سوقات بديوانه الذي جمع فيه أشعاره وبعضاً من القصائد المتبادلة بينه وبين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يتصفحه، يتوقف عند قصيدة «لا تحرم النفس» ويقول: هذه أحب القصائد إلى قلبي، قالها لي الشيخ زايد ويقول فيها:

يا حمد كيف اختفى صوتك

               عقب ما انته تسجع الونّه

والمزامل قامت اتفوتك

              والهوى تّركته أو فنّه

كنت لوّل تلعي ابصوتك

              في طَرب والودّ هاونّه

خايف أنّ السّعد بيفوتك

             والزّهر ما تخضعه فنّه

عجّل ابجدّك ومجهودك

            جان درب الودّ متلنّه

إملها مرّن على اورودك

            والرّيوم اللّي لهن بنّه

يرتعن في خطرة احدودك

           ينهلن وايعلّن ابسنّه

لا تحرّم نفسك أو ذودك

          أو لا تخلّي القلب في هنّه

يقول بن سوقات: هذه القصيدة له وقع طيب على قريحتي، فرددت عليه بقصيدة له مكانة خاصة في قليب يعنوان: «يا حبيب الشعب» أقول فيها:

مرحبا يا حي ببيوتك

          لي لفت بأشعار موزونه

عد ما نسمع ندا صوتك

          أو عدد اسمك يذيعونه

اوعدد ما ينذكر جودك

         وعد وردٍ تاه في غصونه

لي شرف من يتني فنونك

         يا حبيب الشعب يا عونه

يا زعيم الكل ممنونك

        نبتهج والنفس ممنونة

نفتخر بك أنت وجدودك

       ولكرمك كالناس مديونه

والغواني قبلي ترودك

      كل عذراء وكل مزيونة

سألتني وش سبب جمودك

     والسبب راشد تعرفونه

ذا وخت الجيل لردودك

    لك تحايا بورد مقرونه

يسود الصمت المكان بعد أن امتلأ بصدى صوت الشعر، ثم أقول له: هذا «زايد الشاعر» فماذا عن«زايد الإنسان».يضع نظارته جانباً، يفرك عينيه، ربما يغالب دمعة أراد لها ألا تسقط أمامنا، نظر إلى نافذة الغرفة وقال: «كان رحمه الله، كريماً معطاء، وسع قلبه الإنسانية كلها، ويده ممدودة لكل الناس في أي مكان، دون النظر إلى ديانتهم وعرقهم، لم أشاهده يوماً يرد صاحب مسألة، بل كان يؤكد على مستشاريه أن يخبروه بأحوال المواطنين وكان يقول لهم: «إذا سمعتم رجلاً لا يملك بيتاً في أي إمارة من أبوظبي إلى الفجيرة؛ فأخبروني».

ذكريات تأبى النسيان

ومن الذكريات الجميلة التي لا تبرح ذاكرتي، والتي أرى فيها نبلاً وكرماً للشيخ زايد، أثناء وجودي معه في رحلته إلى العلاج خارج الدولة، وتحديداً في أميركا، أنه علم أن هناك عرباً يزورون المستشفى الذي يتعالج فيه، ويترددون على معارفهم من المرضى، وبعضهم يسكن في فندق مجاور للمستشفى، فأصدر أوامره بأن يفتح المطعم أبوابه لمرتاديه على نفقته الخاصة ليلاً ونهاراً، ولم يقتصر الطعام على العرب فقط، بل شمل الزوار جميعهم على اختلاف دياناتهم وجنسياتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات