الإدمان يضيع عقله وأسرته وأمواله وحياته


كاد القاضي أن ينطق بقرار تأجيل الجلسة لعدم حضور وليد (الزوج السابق)، عندما دخلت شقيقته وطلبت الإذن بالكلام، ثم قدمت ورقة إلى القاضي وهي تقول، لقد مات، ثم نظرت إلى الشاكية (طليقته) بعتاب، وأكملت، لم يعد هناك داع لأي نزاع.
لم تستطع الشاكية (فاطمة) التفكير في تلك اللحظة، عشرون عاماً وهي تتجرع مرارة الصبر من معاملته لها وتصرفاته مع أبنائهما، ولما قررت أن تكسر حاجز الخوف وتأخذ حقها منه يموت، هكذا.. فجأة وببساطة.

قبل نحو عشرين عاماً دخلت فاطمة إلى الدولة شابة جميلة ممتلئة بالأحلام، اعتقدت أن عشق وليد لجمالها هو ما دفعه لاختيارها زوجة دون نساء العالمين، صدقته، وقفت في وجه أهلها واختارت الغربة عنهم ما دامت ستكون مع رجل يحبها، وفي بلد يحلم الجميع بالعيش فيه.
كانت السنوات السبع الأولى كفيلة بانطفاء الحلم، وكيف للأحلام أن تعيش مع رجل مدمن وسكير، لا يعرف معنى أن يكون المرء زوج وأب صاحب أسرة ومسؤول، فشرع في الاعتداء عليها وعدم الالتزام بمصاريفها، وكأنه لا يكفي ما لاقته من عذاب مع كل حكم في قضايا شرب خمر وما يتبع ذلك من قضايا شيكات وديون.

في كل مرة يسجن بها وليد، وفي كل ليلة يدخل المنزل مخموراً أو مخدراً، كانت تزداد اصراراً على الفرار بأطفالها من هذه البيئة المسمومة بمختلف أنواع الانحرافات، طفلتين ومعهما صغير في عامه الأول أي مستقبل ينتظرهم مع أب حبيس دوامة الإدمان ينتقل من سجن إلى أخر. 

كان لها ما أرادت وحصلت على الطلاق بعد أن تنازلت عن جميع حقوقها المادية من مؤخر صداق ونفقة، حتى أبنائه لم يقدم لهم أي نفقات لكونه في السجن وقد أذهبت الخمر والمخدرات وعيه، بل وطردها من المسكن مع أطفالها دون أن يفكر بمصيرهم للحظة واحدة، لكن أمومتها أعطتها القوة فتحدت الظروف وعملت في مشروع بسيط بمساعدة إحدى الجهات، لتكمل مشوارها مع صغارها.

لم تذهب سنوات كفاح فاطمة عبثاً بل كان الحصاد وفيراً، فابنتها الكبرى طالبة متفوقة في إحدى أهم الجامعات في الدولة، والثانية تدرس بالخارج بعد أن حصلت على منحة دراسية كونها من الأوائل على الثانوية العامة، وأصغرهم شاب في المرحلة الثانوية. 
أما وليد فبقي حبيس ادمانه متنقلاً من سجن إلى آخر، ومن قضية إلى أخرى، فقد صدر ضده بعد الطلاق حكم بالسجن أربع سنوات في قضية مخدرات، ثم حكم في قضية شيك إضافة إلى إدانته في قضية انتحال صفة موظف عام والاستيلاء على مال الغير، وبالتالي تم فصله من عمله بعد أن أصبحت هذه الأحكام نهائية كونها أحكاماً تخل بالشرف.

ورغم نجاحها في تربية أبناءه، ورفع مسؤوليتهم عن كاهله، إلا أنه لم يترك سفينتها لتسير بهدوء، عشرات القضايا والبلاغات التي قدمها ضدها في محاولات للحصول على حضانة الأطفال وإسقاط حضانتها عنهم، بل إن آخر قضية رفعها تضمنت إلزام ابنتيه بالإنفاق عليه رغم أنهما طالبتين في الجامعة ومصدر رزقهما هو تفوقهما الذي تحصلان من خلاله على المنح والحوافز المالية الشهرية. 

بعد ذلك عكف وليد وأشقائه على رفع دعوى ضد فاطمة، والتي تضمنت اتهامات بالسب والاعتداء والتهديد والتشهير، وقد حفظ بعضها من قبل النيابة بينما أحيل البعض الآخر إلى المحكمة حيث تم الحكم ببراءتها منها.

كل هذا استطاعت أن تتحمله، فوجود أبنائها حولها ونجاحهم بتفوق كان ينسيها أي عذاب، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أطلق داخلها ألف تنبيه وإنذار، في ذلك اليوم دخل ولدها الأصغر المنزل مع رجال الشرطة، وعلمت أنهم جاءوا بناء على بلاغ من ابنها بأن والدته طردته من المنزل، وقد حضروا معه بناء على قرار النيابة بتمكينه من المنزل الممنوح له ولأختيه والذي يملك لوحده نصفه.

كانت قد تشاجرت مع ابنها صباح ذلك اليوم، وأغلظت له الكلمات ولكنها لم تتوقع أن يحضر ومعه الشرطة ويفتح بلاغ ضدها، هي فقط كانت تريد منه الانتباه أكثر لدراسته لينجح بتفوق كما شقيقتيه، في اليوم التالي جاء واعتذر منها، بكى بين يديها طالباً الغفران، مؤكداً أنه لم يفكر يوماً أن يلجأ للشرطة ضدها، ولكن والده وأعمامه هم من ألح عليه وأقنعه بذلك.

كان قرارها أن كفى، فتقدمت بدعوى أمام محكمة أبوظبي المدنية للمطالبة بإلزام طليقها أن يدفع لها 3 ملايين درهم تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها جراء إساءتهم استعمال حق التقاضي ضدها، وقدمت صور من البلاغات التي قدموها وتم حفظها إضافة إلى صور الأحكام التي تم تبرئتها منها. 

فكان أن فارق الحياة قبل أن تقول العدالة كلمتها، وحكمت المحكمة بانقضاء الدعوى لوفاة المشكو ضده، الذي فارق الحياة دون أن يعيشها حقاً؛ محروماً من زينتيها المال والبنين الذين كانوا ملك يديه فزهد بهما من أجل المخدرات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات