العبر في إستيحاء الصور

معروف الرصافي (1785 - 1945)

في ديوان الرصافي قطعة من سبعة أبيات يصف فيها مصورا شمسيا «فوتوغرافيا» لا نكاد نجد مثيلا لها في أشعار شعراء العصر الحديث من حيث الاهتمام بهذا الفن والانتباه الى براعة المصور في التقاط الصور مع تعبيرات صاحبها وملامحه النفسية إضافة الى ملامحه الشخصية الظاهرة ويخاطب الرصافي بالقطعة مصورا اسمه «اسعد» يقول:

إن فن التصوير قد صار فيه

أسعد بارعاً بغير نظير

حمل الشمس للأنام بكف

وبأخرى صناعة التصوير

كانوا يسمون التصوير شمسيا لأنهم ظلوا في مرحلة من مراحل تطور هذا الفن يعرضون الصور مع موادها الكيماوية للشمس لتظهيرها فشاعت الكلمة واستمرت ثم قال الرصافي: وأتى يبدع البدائع للنا..

..س بفن من الرسوم خطير

لم يفته من صورة المرء الا

ما بها من علائم التفكير

فتراها كأنها ذات فكر

هي عنه تهم بالتعبير

وترى عند حزنها ذات حزن

وترى في السرور ذات سرور

لك يا اسعد الفخار ولاِزلْ..

جديرا بالفخر جد جدير

وهذا وصف بارع لعمل المصور وإبانة متقنة لقدرة ذلك المصور على رصد الملامح الخلقية والنفسية معا. وكان للرصافي صديق ذكره في إحدى قصائده مهنئا بعودته إلى عمله في نيابة المحكمة الشرعية عرفه بعبدالوهاب النائب وقال فيه:

عالم بغداد وإنسانها

والمنهل العَذبُ الى الشارب

تختلف الناس إلى فضله

من ذاهب منهم ومن ايب

في علمه ووعظه تهتدي

وتقتدي في رأيه الثاقب

إلى أن قال مؤرخاً ذلك الحدث:

بعد ظلام دامس أرخوا:

أشرق شرع الله بالنائب

وقد رثى الرصافي النائب المذكور بعد وفاته وقد رأى صورته معلقة فقال بيتين ليوضعا تحت تلك الصورة وهما:

مذ غاب عنا في المنية شخصه

فانظر إلى تصويره من غائب

تلقى المعاني المعربات عن العلا

في صورة لأبي الحسين النائب

لقد انتبه الشاعر أيضا إلى الملامح النفسية في شخصية المتوفى عبر عنها مستفيدا من الصور لتقرير ما يريد ان يقوله فيه. وقدم عادل جبر المقدسي صديق الشاعر صورة شمسية لابنه وسأل الرصافي ان يكتب عن الصورة شيئا من الشعر بمناسبة ابتداء ابنه بالمشي فقال:

يا عمرك الله من وليد

يسره اللعب بالنغير

لازلت في طالع سعيد

فدى لك البدر من قمير

لم تره مقلتاي إلا

أحسست في النفس بانتعاش

في العين أم في الفؤاد أحلى

مرآه مذ قام وهو ماش

مشى على الأرض بارتعاش

ثم حبا واضع اليدين

إذ لم يزل لين المشاش

أفديه بالروح من غصين

ويسك داوود من شبيل

لوالد منحب هزبر

بدربك انجاب كل ليل

عن أَبِكَ العادل بن جبر!

«يلعب بالنغير: البلبل الصغير والشاعر استفاد من الأثر المشهور: يا عمير ما فعل النغير؟ الحبو: مرحلة ما قبل المشي. والمشاش رأس العظم اللين و«يَسْكَ» مثل ويحك لكنها هنا للتحبب». وفي ديوان الرصافي في قطع جيدة كتبها مع صور أهداها إلى بعض أعلام عصره.

طباعة
comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

الأكثر شعبية

الفيديو الرياضي

تابعنا علي "فيس بوك"

اقرأ أيضا

اختيارات المحرر

  • لاجئون يعيدون بناء معالم سوريا المدمرة

    مع احتدام الصراع في سوريا، تم تدمير المنازل والمدارس والمعالم الثقافية والآثار التاريخية، ففي أغسطس من العام الماضي، شاهد العالم كله كيف دمر الإرهابيون المعالم البارزة لمدينة تدمر الأثرية،

  • من هو المهندس «كالاترافا» الذي اختيرت تصاميمه لبرج «التحفة»؟

    اختار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" تصميم برج دبي الجديد المعدّ من طرف المستشار والمصمم العالمي الاسباني - السويسري المهندس سانتييغو كالاترافا.

  • نهاية مأساوية لقصة الرجل الشجرة

    توفي الرجل الأندونيسي الملقب بالشجرة بسبب ما أصاب جسمه من التآليل التي غطت جسمه دون أن يستطيع تحقيق حلمه في العلاج وممارسة مهنته في النجارة من جديد.

  • «الرجل الشجرة» يخضع لعملية جراحية بعد 10 سنوات معاناة

    يبدو أن معاناة أبو باجاندار، الذي ينحدر من منطقة جنوبي مدينة خاليا في بنغلادش، والملقب باسم "الرجل الشجرة" في طريقها إلى الحل بعد مرور 10 سنوات من المعاناة، حيث أعلن مستشفى كلية طب دكا،

  • «السوق الموسمي».. تراث يغازل المعاصرة

    مع كل 10 خطوات نخطوها نحو الحداثة في ظل التطور الذي نعيشه على كافة المستويات في حياتنا اليومية، نخطو مثلهن نحو الماضي وعراقة التراث الذي لا يزال يشغل حيزاً خاصاً في قلب كل منا لنخلد له كلما أصبنا بصخب التكنولوجيا.