سلطة غير مرئية.. المافيا والمجتمع الديمقراطي

يتفق المؤرخون والباحثون على القول إن منظمات المافيا، قامت على أنقاض "النظام الإقطاعي"، لكنها بلغت أوج ازدهارها مع حلول الديمقراطية والنظام الرأسمالي. وكانت إيطاليا هي حاضنتها الأولى حيث تجذرت أولاص بأول، في مدينة نابولي وفي جزيرة صقلية (مدينة باليرمو) وفي كالابريا. . وكانت نموذجاً صارخاً لـ"سلطة غير مرئية"، كما جاء في عنوان الكتاب الأخير للمؤرخ والأستاذ الجامعي الفرنسي، جاك دو سان فكتور.

الملاحظة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف، هي ضرورة دراسة المفهوم السياسي لـ"المافيا" بطريقة علمية، وليس تركها مثلما يتم الأمر غالباً لـ"التحقيقات الصحافية".

من هنا لا يولي الاهتمام الأول في هذا العمل للقيام بنوع من "الجرد" لمنظمات المافيا والجريمة المنظمة، بل يركز بالأحرى، على دراسة "التحولات" التي عرفتها المافيا، خلال مسيرتها التاريخية. وفي معرض البحث بالتاريخ السياسي للمافيا، يشرح المؤلف أن المافيا ولدت في سياق نهاية النظام الإقطاعي وانبثاق نخبة عقارية جديدة أرادت أن تحتفظ بكل مكاسب وامتيازات النخب السابقة و"اقتناص" الثروات بكل السبل.

في مثل ذلك السياق قامت في إيطاليا منظمات "المافيا"، كما يشير المؤلف، دون أن يحدد بدقة تاريخ ظهورها، لكنه يقبل حقيقة أنها ولدت في القرن التاسع عشر، في فترة التوحيد الإيطالي.

ويشرح أن طبقة النبلاء وكبار الملاّكين العقاريين في مملكة نابولي السابقة، كانوا يرفضون بقوة الإصلاح الزراعي الذي طالب فيه أولئك الذين لم يكونوا يمتلكون أية قطعة من الأرض. ولم يتردد أصحاب النفوذ السابقون في استخدام شبكات الإجرام التي مارست عمليات قتل وابتزاز، ضد الفلاحين، من أجل إثارة الرعب في قلوبهم.

وعندما قام النظام البرلماني في إيطاليا، احتفظ أصحاب النفوذ السابقين بالتحالف مع شبكات الإجرام، من أجل الاستمرار بالإمساك بمفاتيح السلطة في المناطق الجنوبية من إيطاليا. وفي إطار نظام زاخر بالفساد، استطاعوا الفوز بأصوات الكثير من الناخبين في الإطار البرلماني الجديد، إذ اعتمدوا على مجموعة من المجرمين الذين كانوا يمارسون الاغتيالات أو الابتزاز "حسب الطلب".

ويفتح المؤلف في هذا السياق "قوسين" كي يشير إلى النجاح الكبير الذي حققه اليسار الإيطالي عندما أقرّت إيطاليا عام 1912 الانتخاب بواسطة الاقتراع الشعبي العام.. وهكذا انكفأت "المافيا" التي تحالف معها المحافظون في صقلية. أما في نابولي فاختفت "مافيا كامورا" من المشهد العام حتى الحرب العالمية الثانية.

ومع قدوم فترة "الحرب الباردة"، اكتشف المتخصصون بمنظمات المافيا، أنها قامت بـ"تحوّل" كبير نحو عالم الأعمال والمال، ما شكل "عامل تشويش" بالنسبة للاقتصاد اللبرالي. ويشير المؤلف في هذا السياق، إلى أنه كان هناك نوع من التحالف بين "الحلفاء" وبين شبكات المافيا أثناء الحرب العالمية الثانية. كما أن الحزب الديمقراطي المسيحي تقارب في ما بعد، مع هذه الشبكات.

ويشرح المؤلف كيف أن انهيار جدار برلين في عام 1989، فتح أمام منظمات المافيا، مجموعة آفاق وبلدان جديدة. ولا يتردد جاك دو سان فكتور في القول ان "الإرهاب" ليس العدو الوحيد الذي برز منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين، بل هناك "خطر آخر غير مرئي، ذلك أنه ملازم للنظام اللبرالي السائد.

وفي معرض حديث المؤلف عن سلوكية عرابي المافيا وقادتها، ينقل، عن أحد أشهرهم : لوكي لوسيانو، حديثاً عن ضرورة اكتساب المؤهلات نفسها، كي يصبح المرء "مليونيراً محتالاً" أو "مليونيراً شريفاً".

كما رأى أنه ليس هناك فرق كبير، بين أن يجني الإنسان الثروة عن طريق العمل والتوفير الذي يمثل التربة التي تنمو فيها الرأسمالية، أو عن طريق النهب، كما يفضل، باعتباره يتماشى مع طبيعة الرأسمالية ذاتها. وعلى مثل هذه الخلفية لزيادة الربح انتقل الاقتصاد الإجرامي من تهريب السجائر إلى تجارة المخدرات في سلوكية المافيا.

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب، يشرح المؤلف كيف أن الملاحقات التي قام بها قضاة ورجال شرطة إيطاليون شجعان، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قلّصت من وزن المافيا، وإلا أنها لم تؤد إلى زوالها.

ولكن بالمقابل، كان قد تعاظم قبل ذلك اقتصاد الجريمة كثيراً، ويركز جاك دون سان فكتور في هذا الإطار، على الدور الحاسم الذي لعبه لوكي لوسيانو، رئيس منظمة "كوزان وسترا" في نيويورك، خلال سنوات الخمسينيات من القرن الفائت، بخلق "شركة متعددة الجنسيات لتجارة المخدرات"، بالتعاون مع شبكات أميركية-جنوبية وآسيوية.

 

 

 

 

 

المؤلف في سطور

 

يحمل جاك دو سان فيكتور، شهادة الدكتوراه في التاريخ. يعمل أستاذاً في جامعة باريس الثامنة وفي جامعة روما الثالثة. وهو ناقد في الملحق الأدبي لصحيفة "لوفيغارو". قدم مؤلفات متنوعة، في عدادها: "قصة إيطاليا المخالفة للمألوف"، "المافيا، صناعة الخوف". ويعدّ عملاً ضخماً من 16 مجلداً عن "تاريخ الجمهوريات الإيطالية في العصور الوسطى".

 

 

 

الكتاب: سلطة غير مرئية المافيا والمجتمع الديمقراطي من القرن 19حتى القرن 20

تأليف: جاك دو سان فكتور

الناشر: غاليمار باريس 2012

الصفحات: 432 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

 

Un pouvoir invisible

Jacques De Saint Victor

Gallimard - Paris- 2012

432 .P

طباعة
comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي

  • حديقة الفراشات

    لقطات تبرز جماليات حديقة الفراشات في دبي، وهي أكبر حديقة فراشات مغطاة في العالم، تضم 26 فصيلة من الفراشات من دول مختلفة على مساحة قدرها 4400 متر مربع، وتتكون الحديقة من تسع قباب، لكل منها لون مختلف عن الأخرى، تُعدّ عالماً منفصلاً يحتوي على مجموعات كبيرة من الفراشات والورود، كما تضم أنواعاً من الطيور المختلفة.

  • إماراتي يبني مجلساً على رأس نخلة

    ليكون أكثر قرباً منها ولينعم بظلالها ويأكل من ثمرها متى شاء، بنى المواطن الإماراتي عوض حرموص المزروعي مجلساً معلقاً على رأس نخلة بارتفاع يزيد عن ثمانية أمتار.

  • «البرواز»

    ■ مشروع البرواز في حديقة زعبيل في دبي الذي اكتملت معالمه، يتم حالياً وضع اللمسات الأخيرة عليه، مقدمة لافتتاحه قريباً

  • بهجة الأطفال

    طفلان زائران يجلسان أمام واجهة اكواريوم فندق اتلانتيس دبي. يراقبان افواج الأسماك التي تتنقل في مياه الواجهة الزجاجية، ويتابعان حركتها الهادئة، وايقاع خطواتها المتثاقلة، و التواصل مع ردود افعالها من خلف الزجاج ، ببراءة وبهجة.

  • صيف دبي

    تحفل مفاجآت صيف دبي بالعديد من الأنشطة الترفيهية والتعليمية، والتي تستقطب العائلات والأطفال، في الصورة حلقات تعليمية في دبي مول تتيح للصغار القراءة

Happiness Meter Icon