الاستلزام الحواري في التداول اللساني

يتناول كتاب "الاستلزام الحواري في التداول اللساني" لمؤلفه العياشي أدراوي، ظاهرة الاستلزام الحواري بوصفها من أبرز الظواهر التي تميز اللغات الطبيعية، وذلك على اعتبار أن عملية التخاطب كثيراً ما تحمل معاني عديدة لا تنحصر في ما تدل عليه صيغتها الصورية، لاسيما وأن الاستلزام الحواري أو التأول الدلالي للنصوص، يحمل داخله معاني ظاهرية وباطنية، يحددها السياق العام لقراءة النص.

ويدافع العياشي أدراوي في كتابه، عن فكرة مفادها ان الانجازات العلمية والفكرية الحديثة، ضاربة في جذورها في الفكر اللساني القديم، وظاهرة الاستلزام الحواري ظاهرة قديمة، مارسها معظم الشعوب، الأمر الذي يعطينا اليوم مبرراً علمياً وتاريخياً لإعادة قراءة النصوص واستخراج مختلف المعاني لها، وذلك عبر الاستفادة من المناهج اللسانية المعاصرة.

وفي المجال اللساني القديم يجد أدراوي أن من أهم من مارس الاستلزام الحواري: (السكاكي) و(الغزالي) و(الزمخشري). وأما أهم علم مورس فيه الاستلزام الحواري، فهو علم المعاني بالإضافة إلى البيان والبلاغة، وتفسير ذلك أن علم المعاني يدرس المعنى في علاقته بقائله أولاً ثم بالسياق أو المقام ثانياً.

ولا يفوت المؤلف الوقوف مطولاً عند علاقة الوعي الأصولي بمفهوم الاستلزام الحواري لدى الغزالي، وحجته في ذلك أن النص الأصولي يعتمد على تجريد قواعد معينة، وتكليف الناس بها، الأمر الذي دفع الغزالي وزملاءه إلى الاهتمام بعملية استنباط المعاني والقواعد الشرعية، وفق عمليه تؤطر للانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى المستحدث، دون أن يكون له أي دراية بمفهوم الاستلزام الحواري الحديث.

وعلى الرغم من ذلك نجد أدراوي يلح على ضرورة الانتباه إلى أن الفكر اللغوي العربي القديم قد عرف ظاهرة الاستلزام الحواري، دون أن يعي ذلك، ودون أن يقلل من أهمية الفكر اللغوي القديم، بل وتفوقه على الفكر اللغوي الحديث في ما يتعلق بظاهرة الاستلزام الحواري.

ويفرد أدراوي الجزء الثاني من كتابه للوقوف على ظاهرة الاستلزام الحواري في الفكر اللساني الحديث، محاولاً بسط أهم معالم نظرية أفعال الكلام، لدى كل من أوستن وسرل وكرايس. وذلك بغية الاستفادة من الدرس اللغوي العالمي لتسليط مزيد من الضوء على ظاهرة الاستلزام الحواري.

فاللغة عند العالم والفيلسوف المعروف أوستن ليست مجرد وسيلة للوصف ونقل الأخبار، بقدر ما هي أولاً وقبل كل شيء، أداة لبناء العالم والتأثير فيه، إذ إنها سلطة وتحمل داخلها أفعالا لغوية قد تكون أهم من الأفعال الواقعية، والجملة عند أوستن لها معنى، غير أنه يمكن تسخير هذا المعنى لانجاز فعل، أو مجموعة أعمال. وذلك لأن معنى الجملة مستقل عن الأفعال التأثيرية التي تمارسها الجملة.

وأما كرايس فيذهب إلى أن اللغة التي تحوي أفعالا غير مباشرة، ذلك لأنه يميز بين القوة الانجازية الحرفية للكلام، والقوة الانجازية المستلزمة. وأما الأولى فهي القوة المُدركة مقالياً، بينما الثانية، القوة المُدركة مقامياً، والتي تستلزمها الجملة في سياقات معينة.

وبعد هذه الجولة المطولة في كيفية تموضع ظاهرة الاستلزام الحواري في الفكر اللغوي القديم والحديث، ينتهي المؤلف إلى أن دراسته لتلك الظاهرة مكنت من الكشف عن نمط خاص من التواصل، يمكن نعته بـ"التواصل غير المعلن"، الذي يقوم على تعاقد شبه ضمني وتفاهم خفي بين المتكلم والمخاطب في إبلاغ وتأويل الخطابات.

فأهمية مثل تلك البحوث بالنسبة لأدراوي، تكمن في ردها إلى كونها تدعم افتراض، أن الرصد الكافي لخصائص اللغات الطبيعية يستلزم ربط الجمل بسياق انجازها، بغية الكشف عن إشكال قراءة أو إعادة قراءة التراث اللغوي العربي القديم من منظور متميز من التداوليات الحديثة.

 

 

 

 

الكتاب: الاستلزام الحواري في التداول اللساني

تأليف: العياشي أدراوي

الناشر: منشورات الاختلاف دار الزمان المغرب الجزائر 2011

الصفحات: 144 صفحة

القطع: المتوسط

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي

اشترك الكترونيا