يهود دمشق الشام

يهود دمشق الشام

يؤرخ كتاب «يهود دمشق الشام» لمؤلفه شمس الدين العجلاني ليهود دمشق الشام الذين عاشوا في سوريا بأمان عبر العصور، على الرغم من كونهم أقلية وسط مجتمع ذي أكثرية مسلمة.

يرجع أصل البعض من يهود الشام إلى قبيلتي قينقاع والنضير، وأما أغلبهم فمن قبيلة خيبر العربية التي تفرقت في الشام وفلسطين ومصر والعراق ويقال لهم «الخيابرة»، وقد تمتعوا في ظل الحكم الإسلامي بالأمان بعد أن كانوا يعانون من اضطهاد الروم (البيزنطيين) لهم قبل الإسلام.

وحينما قامت الإمبراطورية العثمانية واستمرت تتوسع حتى أواسط القرن السادس عشر الميلادي بقي اليهود يتمتعون بحريتهم، وتشير الدراسات إلى أن اسطنبول وحدها كان فيها ثلاثون جماعة يهودية، لكل منها معبدُها وحاخاماتُها ومحاكمها الخاصة ومدافنها. وسن العثمانيون نظاماً خاصاً بالطائفة الموسوية أسموه نظام الحاخام خانة. ويهود دمشق سكوا ليرات ذهبية كُتبت عليها عبارة «ما شاء الله كانس بقصد تقديمها كهدايا لرجالات الدولة العثمانية لانتزاع الفرمانات التي يريدونها، ولتسيير أعمالهم.

ينقسم يهود دمشق إلى ثلاثة أقسام رئيسية من حيثُ تواريخ قدومهم إليها:

يهود موجودون في دمشق منذ حقب قديمة.

ويهود جاؤوا مُبْعَدين من الأندلس.

ويهود وفدوا إليها مع بداية القرن (19) من أوروبا الشرقية. وينقسمون من حيث الأصول واللغة إلى جماعتين: يهود شرقيون (سفرديم) يتكلمون لغة (اللادينو)، ويهود غربيون (أشكناز) يتكلمون لغة (البيديش).

وينحصرون في ثلاث فرق دينية هي:

الأولى: اليهود السامريون، أتباع السامري الذي صنع العجل وأضل اليهود. يؤمنون بالتوراة فقط وبسفر يشوع. وقد سكنوا على طريق دوما- جسر تورى، وفي حارة العنابة.

الثانية: اليهود الربانيون، وهم أكثرية، ويعترفون بجميع أسفار العهد القديم وأحاديث موسى وأسفار التلمود، وبأن المسيح المنتظر سيأتي لينقذ الناس ويدخلهم في ديانة موسى.

الثالثة: اليهود القرائيون، وهي طائفة حديثة أنشأها عنان بن داود في بغداد أواخر القرن (18 م)، في عهد أبي جعفر المنصور، وقد ألغى عنان جميع التشريعات التي قررها اليهود الربانيون. وتميز عنان بأنه فتح باب الاجتهاد في فهم النصوص المقدسة، فأدى ذلك إلى حدوث انقسامات حتى في فرقة القرائيين ذاتها.

لا يوجد تعداد دقيق لعدد يهود دمشق فهم في ازدياد وتناقص، ففي أواخر القرن 19 كانوا حوالي ستة آلاف، وفي سنة 1910 بلغوا أحد عشر ألفاً. وبقي العدد نفسه في تعداد سنة 1925، وفي تعداد 1945 بلغوا خمسة عشر ألفاً، وتناقص عددهم بعد حرب الـ 1967 إلى (550) شخصاً فقط والآن لا يتجاوز عددهم العشرات. وكانت لليهود مشاركات متعددة في النشاطات السياسية والاجتماعية التي شهدتها دمشق في العصر الحديث.

فكان اليهودي «يوسف لينادو» نائباً عن دمشق، وأول برلماني يهودي سوري في البرلمان 1919. ولدى مبايعة الأمير فيصل بن الحسين بن علي ملكاً على سوريا في 8 مارس 1920 قدم رئيس الحاخاميين التبريكات للملك باسم يهود سوريا، وكان اليهودي «يعقوب دانون» أول من وقع على صك مبايعة فيصل.

وأصدر الشيخ تاج الدين الحسيني قراراً حدد فيه نواب المناطق الانتخابية وطوائفهم على النحو الآتي: عشرة من السنة، وواحد من الروم الأرثوذكس، وواحد من الروم الكاثوليك، وواحد يهودي. وقد فاز «يوسف لينادو» بالمقعد اليهودي، وكان لينادو في جلسة البرلمان المنعقدة في 9 يونيه 1928 عضواً في لجنة تدقيق الاقتراع، وفاز برئاسة المجلس يومها هاشم الأتاسي. وانتُخِبَ في وقت لاحق عضواً في اللجنة الدستورية المؤلفة من 27 عضواً.

وفي المجلس النيابي 1943 أصبح اليهودي الحلبي «عزره أزرق» نائباً عن الطوائف اليهودية، وأصبح عضواً في اللجنة النيابية التي يرأسها هاني السباعي، واللجنة القانونية والمالية التي يرأسها عبد الرحمن الكيالي.

وفي انتخابات الـ 1947 بعد الاستقلال أصبح اليهودي وحيد مرزاحي، عضواً في المجلس النيابي، وكان على قائمة العلماء التي يرأسها أبو الخير الميداني ونائبه مكي الكتابي ومن أعضائها أحمد كفتارو وحسن حبنكة وعبد الحميد الطباع، ومكانها سوق مدحت باشا. وفي سنة 1949 ألغي تمثيل الطوائف اليهودية في المجلس بسبب حرب الـ 1948 وموقف اليهود السوريين منها.

كان اليهود جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الدمشقي، وكانت لأثريائهم منازل فخمة وقصور منها قصور آل فارحي بحي الدحداح، وقصر شمعايا بحي الأمين، وقصر يوسف عنبر بحي الخراب، المقام على أرض شاسعة مساحتها خمسة آلاف متر مربع، وهو معروف حالياً باسم (مكتب عنبر)، وبيت شطاح، وبيت الجليلاتي في زقاق سد الشلاح، وبيت لزبونا، وبداخله كنيس يهودي صغير. ولا شك أن إشادة هذه القصور الثمينة دليل على شعورهم بالاستقرار والاطمئنان.

من الشخصيات اليهودية الشامية الشهيرة «ابراهيم حمرا» رئيس الطائفة الموسوية السورية في الثمانينيات، وألبير فويرني الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وفي إحدى المقابلات التلفزيونية انفعل وقال: كنا نعيش مع المسلمين والمسيحيين، كنا عائلة واحدة. كانوا يحبوننا. أنا مشتاق لسوريا. وإلياهو ساسون الذي كان يعمل على خدمة الحركة الصهيونية وساهم في قيام دولة إسرائيل، وعين سفيراً لإسرائيل في تركيا، ووزيراً للشرطة ووزيراً للبريد والهاتف.

ومنهم يوسف جاجاتي (أبو خليل) الذي رأس الطائفة الموسوية السورية بعد ابراهيم حمرا، وهو من أواخر الذين هاجروا من سورية، وفي تصريح له لوسائل الإعلام الأمريكية قال إنه يعتز بانتمائه إلى سورية، ويتمنى إذا استؤنفت مفاوضات السلام أن يمثل هو سورية في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. يعيد اليهود يوم السبت من كل أسبوع، وفي يوم الغفران، وعيد رأس السنة العبرية (روش هاشانا).

وعيد العُرش الذي يصادف بعد عيد الغفران بخمسة أيام، وعيد الأنوار الذي يصادف في 25/12 ميلادية، وعيد المساخر الذي يصادف في 12 مارس وفيه يحتفلون بذكرى خلاص اليهود الذين كانوا مهددين بخطر الإبادة في الإمبراطورية الفارسية أيام الملك أحشيويروش، وعيد الفصح في أبريل بمناسبة ذكرى هروب بني إسرائيل من مصر في القرن الثالث قبل الميلاد، وعيد الميمونة، ذكرى وفاة والد المفكر اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون.

أخيراً.. إن أهم ما في هذا الكاتب أنه يوثق للوجود اليهودي (التاريخي- الاجتماعي- الديني- السياسي- الديموجرافي) في دمشق وبلاد الشام عبر العصور.

وهو يولي عناية خاصة بالصور الفوتوجرافية، وهو يشير إلى الجوانب الإيجابية والسلبية لهؤلاء الناس، ويمكن أن يستنتج قارئ الكتاب أنه لولا قيام إسرائيل الدولة العنصرية القائمة على التعصب الديني وما نجم عن قيامها من حروب وويلات ومجازر، فلربما بقي اليهود في بلاد الشام مئات أخرى من السنين، ولظلوا منسجمين مع نسيج المجتمع الشامي الذي لم يقم قط على التعصب والبغضاء.

الكتاب: يهود دمشق الشام

تأليف: شمس الدين العجلاني

الناشر: إصدار خاص دمشق 2008

الصفحات: 432 صفحة

القطع: الكبير

خطيب بدلة

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي