شعب مطارد يتربص به المجهول

الغجر.. شعب مطارد يتربص به المجهول

متهمون بسوء الفهم والخطايا والتخلف واللصوصية. شعبٌ يطارده المجهول دائماً أينما يحطّ رحاله وأينما تقذف به الرياح في جهات العالم .. غامضون ومعزولون وسريون إلى أقصى الحدود ؛ لصوص ومارقون ومنحطّون وبائعو هوى ومتلونون. حفاةٌ وعراةٌ وزناة.

المرأة الغجرية راقصة بارعة والرجل الغجري لص بارع .. موصوفون بشتى الأوصاف الدونية الكافية لتجعل منهم شعباً مارقاً على نواميس الحياة والعادات الاجتماعية وتقاليد الشعوب المختلفة. علامات استفهام كبيرة تحيط بوجودهم كلما استقروا في مكان. وعلى مر تاريخهم الطويل كانوا شعباً منبوذاً تسبقهم كراهية العالم في كل بقعة من الأرض. لكنه شعبٌ عاند الزمان والتاريخ المتعاقب ليستمر في دورة الحياة على أغنية غجرية واحدة هي أغنية البقاء.

الغجر .. هذا الشعب المطارَد الذي يتربص به المجهول دائماً وتتربص به قوانين الدول كلما استكان إليها ليعيش بسلام. مُراقَب ومهان وتحت طائلة الشك على مر وجوده. يقال «إنهم يولدون فقط لكي يصبحوا لصوصاً. ينحدرون من آباء لصوص ويكبرون مع اللصوص ويدرسون اللصوصية وفي النهاية يصبحون لصوصاً»، وبهذا الوضوح أصبح هذا الشعب الجوّال فريسة لغيره وميداناً للتهم الموجهة إليه حتى لو كان في موقع البراءة !

الغجر شعب يجوب الآفاق والمدن والأمصار والدول. هم أبناء التشرد والرحيل الدائم؛ بلا ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل، الزمن لديهم عبارة عن أوقات مطاطية تأتي وتذهب سديً، لا يحملون معهم غير الخيام والرياح والخيول وفي أجسادهم خميرة رقص قادم وغناء صداح وليل وفير النجوم. يطلق الغجر على أنفسهم ألقاباً مختلفة ك« أولاد الطرقات» و«شهود الزمان» و«أبناء الرياح» لكن هوميروس أطلق عليهم اسم «شعب النجمة» ويؤكد بعض الغجر أنهم أولاد قابيل ابن آدم عليه السلام الذي كتب عليه الترحال بعد أن قتل أخاه هابيل ودعا عليه آدم بذلك.

الأصل المختلف عليه

كلمة الغجر جاءت من لغة هندية قديمة تدعى «الغجراطية» وجاء في كتاب حمزة الأصفهاني « تاريخ ملوك الأرض» أن للغجر أسماء كثيرة تضمر في معظمها الإهانة والتحقير منها التتار، الكفار، العرب، الإغريق، الأتراك، اليهود، القرج ،الفراعنة ، الآثينيون، الحمقى. الاتزينغانيون .أما هنريتش غريلمان فيرى أنهم استمدوا أصلهم من الهراطقة اليونان. ويقال إنهم الأحفاد الملعونون لقابيل ! وأطلق العرب عليهم اسم «الذُطّ».

ثمة من يرى ان كلمة الغجر لفظة تركية من «كوجر» ومعناها الرُّحّل ومن المحتمل أن تكون كلمة الغجري هي تصحيف « القاجاري» نسبة إلى قبيلة تركية .العلامة مصطفى جواد يرى أن تسمية «الكاولية» متأتية من اسم مدينة كابل «عاصمة أفغانستان» أي أن أصلها «كابلي» أما الأب انستاس ماري الكرملي فيرى أن كلمة كول «كاولية» نسبة الى طائفة من الأشرار الكفار كانت تقيم في ناحية مولتان بالهند.

في الانجليزية يسمّونهم Gypsies جبسي وهناك من يرد أصولهم إلى طائفة إغريقية يطلق عليهم «الذين لا يُلمسون» وهم طائفة فارسيّة تتكوّن من السحرة والعرّافات. في عام 1979 أقرّ احد مؤتمرات الغجر المقامة في سويسرا تسميه Rom للغجريّ و Roma للجمع أما لغتهم الأساسيّة فسموها بالرومانيّة حتى أنّ العديد من الكلمات السيئة التي تزخر بها بعض اللغات ترجع بجذورها إلى كلمة «غجر»، وهناك رأي آخر يفيد بأنّ الغجر هم اليهود الذين طُوردوا من مصر عبر الصحراء لكن افتراضاً عكسياً يرى انّ الغجر هم أنفسهم المصريّون الذين قاموا بمطاردة اليهود في الصحراء وتاهوا أثناء المطاردة ولا زالوا تائهين.

شعب مختلف عليه أيضاً

الغجر أكثر شعوب العالم غموضاً في تاريخهم ولم يتسن للباحثين التوصل إلى أصولهم الحقيقية وجذور تكونهم الأول سوى فرضيات وافتراضات كثيرة قصد يصح بعضها ولا يصح البعض الآخر منها، هناك من يقول انهم جاءوا من أفغانستان في الألف الأول الميلادي ومروا بالشرق الأوسط وانقسموا على قسمين فرع ذهب إلى تركيا ومنها عبر البسفور إلى أوروبا والبعض واصل طريقه نحو ايطاليا وفرنسا حتى استقر بهم المقام في اسبانيا الأندلس.

في حين يرى فريق آخر أن الغجر في اسبانيا هم بقايا العرب والمسلمين في الأندلس؛ ولما كان الغجر ذوي طبائع تثير حفائظ الشعوب فقد حظوا بازدراء كل المجتمعات التي يعيشون فيها، وعندما تولى الحزب النازي السلطة في ألمانيا عام 1933 تعامل النازيون مع اليهود والغجر كعرق أجنبي ينبغي تصفيتهم.

الثقافة الغجرية

لا يمكن الإقرار بوجود ثقافة غجرية خاصة لها ملامح وسمات أدبية معروفة ، فكل شيء في حياة الغجر مرتحل في فضاءات الحرية والفوضى معاً ولم يسجل التاريخ الأدبي بشكله العام أسماء لمثقفين وأدباء غجراً ؛ لذلك فإن ما سُجل عنهم لا يتعدى القصائد القصيرة المرتجلة ؛ فالصفة المميزة للأغنية الغجرية هي الارتجال وتغنى في جو تلقائي دون أن يفكر المغني أن يحفظها يوماً ما أو يسجلها بشكل من الأشكال، فالهدف إدخال البهجة في نفوس الآخرين.

غير أن « برونسلافا واجس» وشهرتها « بابوسا» شذت عن هذه القاعدة فهي شاعرة ومغنية عاشت في بولندا وعندما توفيت في العام 1987 لم يسمع بوفاتها احد، وهي التي أرَّخت لطقوس الرقص وعازفي القيثارات الغجرية في ليتوانيا وفي بولندا وكرواتيا وفارس والهند والأندلس وبلغاريا وتشيكيا. وفي الغرب جمعت «مس يتس» أشعارهم وقصصهم وحكاياتهم الشعبية في كتاب وقد وصف تراثهم وأناشيدهم بأنها جميله وساحرة وبسيطة ، كما جمع الصربيّ « راد أوليك» أغانيهم وإصدارها في بيوغراد عام 1982 تحت عنوان: أشعار الغجر.

الغجر في الأدب العالمي

لكن بعض أدباء العالم كانت لهم مواقف ايجابية من الغجر منهم الاسباني ميجيل دي سرفانتيس (1547-1616) مؤلف « دون كيخوته» فهو من أوائل الذين «مجدوا حياة الغجر الذين يعيشون في أحضان الطبيعة» في كتابه «لا جيتانيلا» كما أشاد الموسيقي الفرنسي جورج بيزيه (1838-1875) في أوبرا كارمن التي قدمها لأول مرة عام 1850 بحياة الغجر الطليقة.

ويعرف الجميع ممن قرأوا رواية احدب نوتردام شخصية الغجرية ازميرالدا وكيف اتهمت بممارسة السحر وكادت أن تشنق لولا الأحدب كازيمودو. وقد أبدع الروائي الروسي الشهير مكسيم غوركي في وصف تناقضات الشخصية الغجرية في رائعته «الغجر يصعدون إلى السماء» التي تحولت إلى فيلم شهير أخرجه السينمائي والشاعر الروسي اميل لوتيانو .

ولعل أجود من وصف عشق الغجر للحرية والانعتاق هو الشاعر الروسي الكبير « بوشكين » في قصيدته المطولة « الغجر » ووليام شكسبير في «روميو.. وجوليت» ويمكن أن نتذكر غجر ماركيز في روايته «مائة عام من العزلة» ، وكان لوركا يعتقد في الأصول الهندية للغجر والغجري هو الإنسان الأسباني الأندلسي بحقيقته في نظر لوركا.

تقاليد غجرية

للغجري ثلاثة أسماء: اسم سري لا يمكن أن يُعرف، واسم يعرف به بين جماعته وثالث يدعى به أمام الناس من غير الغجر ولغرض تسجيله في سجلات الدولة التي يقيم فيها. وتهمس الأم عادة بالاسم السري في أذن وليدها مرة واحدة بعد ولادته مباشرة تضليلاً للأرواح الشريرة عن معرفة شخصية الطفل الحقيقية ووقاية له حتى لا يكون لها أي سلطان عليه.

وعند وفاة أحد الغجر تحرق ثيابه وعربته، وقبل دفنه لا يتناول الغجر الطعام والشراب، ويقوم ثلاثة بحراسة المتوفى من الأرواح الشريرة، وعادة ما يكون الكفن واسعاً لاحتواء ممتلكات المتوفى إلى جانبه، ويلبسونه أحسن الأزياء لديه، أما المرأة فتدفن معها جميع ممتلكاتها الثمينة.

أقدم حكاية عن أصل الغجر هي تلك التي تقول إن الزير سالم شقيق الملك البكري كليب عندما انتصر في الجاهلية على قوم جسّاس في حرب البسوس الشهيرة بين بكر وتغلب أمر أعداءه المغلوبين بالترحل الدائم وعدم الاستقرار في أي مكان، كما منعهم من إشعال النار في ديارهم، وعندما توفي الزير سالم ابتهج هؤلاء وأقاموا الاحتفالات في كل مكان وأشعلوا نيراناً كثيرة وكبيرة هنا وهناك ومن هنا جاء اسم «النوّر» الذي يطلق على الغجر في بلداننا العربية نسبه إلى النور الهائل الذي أحدثته نيران احتفالاتهم إثر وفاة المهلهل.

طقوس غجرية

عربة الغجري مزركشة برسوم مختلفة، ووراء هذه الزركشة أسطورة عن فتى هام حباً بحبيبته وعند زواجه بها طلبت منه أن يزين لها بيت الزوجية، وهو العربة، وقد استجاب الفتى لذلك، ووضع كل ما أمكنه من تصميمات فنية وزركشات ملونة في تلك العربة، لكن حبيبته توفيت بمرض طارئ، الأمر الذي أحزنه كثيراً، ثم قام برسم وجهين في عربته، الوجه الأول لرجل داكن البشرة يمثله هو والآخر لفتاة ذات شعر أحمر تمثل عروسه، وسار كل الغجر على العادة وصاروا يزينون عرباتهم بنفس الطريقة.

وارد بدر السالم

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

كتاب العدد

الأكثر شعبية

الأكثر قراءة

صور تحكي

اشترك الكترونيا