شيرين

شيرين معلوف هي من أجمل الكنوز الإنسانية التي تعرفت عليها أثناء دراستي في لبنان، كانت أشبه بمطر عذب يفيض في أرضٍ نائية ومنسية، لأنها وببساطة تتوجع للآخرين في كل مكان، تريد نجدتهم في كل لحظة. لم تكن تتوهم العطاء، فعلى الرغم أنها لم تكن بتلك الإمكانيات المادية الكبيرة، إلا أن قلبها الكبير الذي رأى المتذوقين من الأثرياء والمثقفين يستمعون لعزف «البيانو» بمتعة، وهم في تلك المسارح الأنيقة، والمنازل الدافئة، والأمكنة المعدة... ولكونها عازفة رقيقة وماهرة بهذه الآلة، هربت من كل أولئك الذين يلمعون ولا يتوجعون، لتشحن آلتها في سيارة شحن مستأجرة بكل لهفة نحو السجن اللبناني بعد أخذها الإذن، لتعزف للمحبوسين المغلولين في قيد الإثم، وبالأخص الأكثر عقوبة منهم كالمؤبد.

تعزف لهم ساعات طويلة مغمضة العينين وهي الرقيقة في جسدها النحيل وفكرها المتعب بهؤلاء، لتضيء في أذهانهم المتعبة بعض السكون، ويسود صمت بليغ بين المسجونين والمراقبين من الحرس على السواء، وتأخذهم شيرين بعزفها الهادئ لتبدد الفكرة القائمة حول الاقتراف في تلك اللحظات أمام أنفاس البيانو المنحدرة في نزولها كالشلال ليغسل ما حدث لهم، وتكتب لهم فجرًا جديدًا وإن لم يطلع.

لا مقياس للإنسانية، فمن يمنعنا من العودة للإنسان المخطئ لأنسنته من جديد؟! لا أحد يمنعنا من مساعدة الآخر، لنمسح ما تعلق به من شوائب، فنُنسيه ولو لبعض الوقت ما التصق به من جنون وعبث في لحظاته المرهقة التي لم تعد تُنسى... مهما كان، فشيرين تجري بإنسانيتها المطلقة نحو أوجاعهم لتزيلها لهم أو على أقل تقدير تَختصر دمعتهم ولو لساعات من خلال موهبتها.

شيرين الإنسانة والمرأة العظيمة، رفضت الزواج بكل من تقدم لها ويريد الهرب بها عن طريق الهجرة إلى بلاد أخرى، فإصرارها كان أكبر على الصمود في وطن أحوج لها، لتردد على الدوام: «لي بدي أهجر بلدي، وكرمال شو؟»

ظلت بإنسانيتها العالية، تشحن البيانو إلى السجن كل فترة أو كلما سمعت بحكم جديد لآخرين دخلوا الاحتجاز ولن يخرجوا قريبًا. هؤلاء الذين يحترس منهم المجتمع، بدورها تنظر إليهم نظرة شجاعة كلها اطمئنانٍ، في أنهم أحوج لنا نحن كأحرار خلف الأسوار، مكرسة نفسها للعطاء الكامل، لتصيغه بكل ما لديها من كرمٍ داخلي، ومهارة، وجَلَدْ، وتعزف بمشاعرها وأصابعها المعبأة بالزلال. كان الشحن مكلفًا لكنها بقيت توفر في تلك المواسم لتنفرط إنسانيتها وتتفتح كزهرة وهي تجري نحوهم وتعمل على أنسنة الأمكنة المُسيجة.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon