الأزمة الليبية وضوء نهاية النفق

حالة من القلق الشديد قد هيمنت على عديد من الأطراف الإقليمية والدولية إثر التراشق الساخن الذي وقع بين كبار المسؤولين في الدولة الليبية حول شرعية استمرار العمل باتفاق «الصخيرات» بعد مرور عامين على توقيعه من دون أن تتوصل الدولة الليبية إلى حالة سلام حقيقية أو استقرار متكامل الأركان، فالاتفاق المدعوم دولياً لايزال في نظر الكثيرين داخل ليبيا وخارجها هو الأساس المقبول - رغم أي عيوب تلاحقه - لبناء تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام السياسي والتوتر الأمني في الدولة الليبية.

ولعل المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي قدم يوم السابع عشر من ديسمبر المنصرم مسوغات كافية في إعلانه انتهاء العمل باتفاق الصخيرات بعد عامين من توقيعه وانتهاء الفترة الانتقالية، رغم المخاوف لدى أطراف داخلية وعلى رأسها حكومة الوفاق الوطني وأطراف أخرى إقليمية وخاصة في مصر وتونس والجزائر.

إضافة إلى قوى دولية مثل إيطاليا وفرنسا اللتين سارعتا بالتدخل في محاولة لاحتواء الموقف، ولم ينطلق الخوف والقلق لدى مختلف الأطراف من إسقاط شرعية اتفاق الصخيرات بقدر ما كان همها الأكبر الخوف من حدوث فراغ سياسي وأمني وإداري يؤدي إلى مزيد من الفوضى في دولة منهكة بالمشكلات والانقسامات وكذلك تعاني من تشعب محطات التفاوض وتعدد أطرافها.

وبالفعل تعاني الدولة الليبية منذ سنوات ليست قليلة - في سبيل وصولها إلى تسوية سلمية لأزمتها شبه المزمنة - من كثرة الرؤوس - إذا جاز التعبير- وتعدد الخطط والاستراتيجيات وبرامج التسوية بقدر ما تعاني من خطر الجماعات الإرهابية والمتطرفة والتنظيمات المسلحة وجماعات التهريب على اختلاف أشكالها، وهي ظاهرة واضحة وضوح الشمس.

فالقوى الداخلية المعنية بالأزمة والتي تسعى لأن يكون لها دور في الحل النهائي كثيرة العدد، والعواصم التي تسعى لتسوية الأزمة عربية كانت أم دولية ليست بالقليلة وطرحت بالفعل مشروعات عدة للتسوية وصدر عنها بيانات متنوعة وخطط طريق لا حصر لها، وبرغم أهمية الكثير منها إلا أنها لم تنجح حتى اليوم في الحصول على إجماع وطني ليبي يضع أياً منها موضع التنفيذ العملي في إطار خطة سياسية شاملة تجمع كل الليبيين.

ولا شك في أهمية مثل هذه التحركات الجادة والطرح المخلص، ولكن الخوف الآن أنها قد تتحول إلى إضافة أخرى لمحاولات التسوية السابقة بما يضعها في مهب الريح ما لم تحصل على الإجماع الوطني الليبي، وهذا ما يجعل من فكرة الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني شامل لكل الجماعات والفصائل والفاعليات والزعامات الليبية لصياغة خطة سياسية شاملة للخروج من المأزق الراهن أهمية كبرى.

وليكن لهذا المؤتمر ولضمان نجاحه استقلالية تامة بعيداً عن ضغوط العواصم وبإعداد جيد لتجميع الخطط ومشروعات التسوية السياسية في خطة واحدة تحظى بقبول كل الأطراف لوضعه موضع التنفيذ بدعم مباشر وقوي من جامعة الدول العربية التي ما زالت هي الأخرى وحتى الآن بلا فاعلية واضحة في هذا المأزق.

وكذلك هناك تعدد للمسؤوليات الدولية وراء الأزمة الليبية ذاتها، وما يؤكد مسؤولية التحالف الغربي على سبيل المثال عن الأوضاع المأساوية الحالية ما صرح به الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في خطابه الأخير في الأمم المتحدة عندما قال بالحرف الواحد إن «التحالف كان يمكنه بل كان يجب عليه أن يفعل المزيد لسد الفراغ بعد سقوط النظام الليبي»، وصرح في مقابلة مع قناة فوكس نيوز الإخبارية قبل أن يغادر الحكم أن أسوأ خطأ ارتكبه هو الفشل في التخطيط لما بعد التدخل في ليبيا.

وبالمثل فقد تحدث سياسيون ووسائل إعلام ومراكز بحثية في أكثر من دولة أوروبية عن جسامة هذا الخلل الذي ارتكبه الغرب لدرجة أن الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق صرح لوكالة الأنباء الإيطالية قائلاً «لم يكن ما حدث في ليبيا ثورة بتاتاً ولكنها مؤامرة أوروبية»، وهنا يجب التنبه أن هذا التصريح يعكس من طرف خفي تضارب المصالح بين دول أوروبا نتيجة مصالح ذاتية وهواجس أمنية، ما يفرض عليها أيضاً حتمية ممارسة دور إيجابي لإصلاح ما أفسدته في الماضي.

ووسط هذا المشهد المقلق، فإن تصريحات المشير حفتر، التي نقلت عنه على لسان العقيد المسماري المتحدث باسم الجيش الليبي في الأيام القليلة الماضية يجب أن تكون في حد ذاتها سبباً للارتياح ودافعاً للعمل الجاد للبناء عليها، هذه التصريحات التي أكد فيها حفتر مطالبته وموافقته على إجراء انتخابات تحت إشراف قضائي كامل وبمراقبة دولية هي بالفعل أشعة ضوء في نهاية النفق المظلم.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon