تيريزا ماي تفقد قبضتها على الحكومة

لم يكن سقوط بريتي باتيل، مفاجأة، وهي نجم صاعد في حزب المحافظين، في الحكومة البريطانية، فمنذ انتقالها إلى وزارة التنمية الدولية العام الماضي، ظلت تتردد بين المسؤولين البريطانيين جملة واحدة، وهي أن التنمية الوحيدة التي تثير اهتمام باتيل في الواقع هي حياتها المهنية.

فطموحها المثير للغرور، كان ظاهراً للعيان في مؤتمر حزب المحافظين الذي عقد مؤخراً، من خلال كلمة ألقتها، وجهت فيها الأنظار إليها، وقارنت فيها نفسها بمارغرت تاتشر. وقد تسببت آمالها في الاقتداء بخطى بطلتها في توجيه ضربة قوية لها، تمثلت بإقالتها من الحكومة البريطانية.

وأصبح بإمكان باتيل المنتمية إلى التكتل المتشكك بالاتحاد الأوروبي، انتقاد رئيسة الوزراء تيريزا ماي من المقاعد الخلفية الآن، وتحديداً بشأن بريكسيت. والتحذيرات القوية التي أطلقها حلفاء الوزيرة السابقة، بأن إقالتها يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة بالحكومة فشلت في إنقاذها.

وافتقار باتيل إلى تقدير الأحكام الصحيحة في أول منصب وزاري لها، سيضعف آمالها في السباق لزعامة حزب المحافظين عندما تتنحى ماي مستقبلاً. ومن خلال استقالتها من الناحية الفنية قبل إقالتها، فإنها تأمل في العودة ذات يوم إلى الصدارة. لكن الأضرار التي تعرضت لها قد تكون قاتلة. وقد علق أحد كبار مسؤولي حزب المحافظين على ذلك بالقول: «إنها تحاول الجري قبل أن تتمكن من السير، وقد تعرضت للطرد من الحكومة البريطانية بقوة».

وقرار تيريزا ماي بتعيين باتيل في وزارة التنمية الدولية، التي كانت تريد إلغاءها، عاد ليطاردها، تماماً كقرار تعيين بوريس جونسون في وزارة الخارجية سابقاً. فجونسون وباتيل مثلا أضواء استرشادية في حملة المطالبة بخلع تيريزا ماي. فكلاهما لم يكونا مناسبين على الإطلاق لمنصبيهما، وقوضا منصب رئيسة الوزراء، وتجاهلا القوانين المتعلقة بالمسؤولية الجماعية لمجلس الوزراء البريطاني، من خلال اتباع جدول أعمالهما الخاص بشأن "بريكست" وإسرائيل على التوالي.

وفي الأحوال العادية، كانت ستتم إقالتهما من دون مشكلات، قبل أن تقرر تيريزا ماي إقالة باتيل، بعد أن استدعيت من رحلة إلى أفريقيا، مع مراقبة وسائل الإعلام لها عن كثب.

واتهمت باتيل بتضليل ماي ووزارة الخارجية ووسائل الإعلام، بمراسلاتها التي حررتها في 12 اجتماعاً سرياً مع السياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال عطلتها العائلية التي قضتها في إسرائيل في أغسطس الماضي. وتبدو كأنها محاولة ساذجة، لكنها متعمدة بتجاهل القوانين والتشريعات البريطانية، وتغيير السياسة الحكومية بشأن تحويل بعض المساعدات المالية إلى إسرائيل في وقت حساس، وفي منطقة في غاية الحساسية بشكل دائم.

وقبل تحديد المصير المحتوم لباتيل، ادعت صحيفة جويش كرونيكل، أن الحكومة البريطانية كانت على علم بحدوث اجتماع آخر بين باتيل ومسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية بنيويورك في سبتمبر الماضي، وطولبت باتيل بعدم الكشف عن هذا الاجتماع. وأبلغ المجلس كذلك بمحادثاتها مع نتنياهو عقب الاجتماع مباشرة. واعتبرت هذه الادعاءات، محاولة أخيرة يائسة لإنقاذ باتيل، لكن 10 داوننغ ستريت، تصر على أن باتيل لم تبلغ الحكومة بمحادثاتها مع نتنياهو، أو عقدها اجتماع آخر مع وزير إسرائيل في مجلس العموم في سبتمبر الماضي. وقد اعترفت باتيل بأن هذه القضية هدفها إلهاء الحكومة، وعرضت على ماي تقديم اعتذار مستعجل.

وكانت ماي تدرك أنه لن يكون لديها أي مصداقية لو أبقت باتيل في منصبها، لكن مغادرتها لن يكسب رئيسة الوزراء الكثير من التقدير. وتركها تستقيل بدلاً من إقالتها رسمياً، سيوجه صفعة ضعف لبعض أعضاء حزب المحافظين. وقرار ماي بتعيينها في أول منصب وزاري لها في يوليو العام الماضي، يبدو بائساً جداً.

وعلى الرغم من حدوث تعديل وزاري مصغر مؤخراً، عندما تمت إقالة سير مايكل فالون بسبب ادعاءات بإقدامه على تحرشات جنسية، فإنه من غير المحتمل، أن تخاطر ماي بالإقدام على إجراء تعديل وزاري كبير، عندما تملأ الفراغ الذي أحدثته استقالة باتيل. ومن المحتمل أن تتسبب الفضيحة الجنسية بالإيقاع بمزيد من الضحايا الحكوميين، مثل نائب وزير الداخلية وغيره، ولكن لا يمكن الاستمرار بإجراء تعديلات وزارية في كل أسبوع.

* كاتب بريطاني في "الإندبندنت

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon