فهم الصراع من أجل كتالونيا

تتمتع إسبانيا بطفرة من المناخات السياسية التي تميزها عن غيرها، لكن بعضها متجذر بعمق في لغات وثقافات وحتى أصول عرقية مختلفة. بالنسبة إلى إسبانيا ومجدها، كانت تلك الدولة الديمقراطية الحيوية، التي حلت مكان دكتاتورية الجنرال فرانكو على مدى العقود الأربعة الماضية، تصارع من أجل أن يشعر الجميع كما لو أنه في داره.

ولفترة طويلة تم افتراض أن بلاد الباسك، وبسبب عنف المجموعة الانفصالية «إيتا»، هي التي تشكل الرابط الضعيف في السلسلة الإسبانية. وعلى النقيض من ذلك، بدت كتالونيا البراغماتية التي يحكمها القوميون من التيار السائد، والذين يعقدون الصفقات مع مدريد، برهاناً على نجاح صيغة توفير الحكم الذاتي لكل مناطق إسبانيا الـ17.

لكن هذه التسوية المثيرة للإعجاب في أنحاء أوروبا، والتي تفترض تفويضاً للحقوق، وانضمت إليها إسبانيا ببهجة، قد وصلت إلى نهاية احتمالاتها. يبدو سكان الباسك سعيدين بوضعهم، يقومون بتحصيل ضرائبهم وإرسال جزء منها إلى مدريد، وقد أحيوا اقتصادهم/ اقتصاد الحزام المحاصر والصدئ لديهم، كما أحيوا لغتهم.

وفي المقابل، برزت كاتالونيا الأكثر أوروبية في ثقافتها، وحيث النزعة الانفصالية هامشية، كتهديد لمستقبل الدول الإسبانية.

في 1 أكتوبر، تعهد الائتلاف الانفصالي الذي يسير حكومة الحكم الذاتي، «جنراليتات»، بإجراء استفتاء على الاستقلال، فأقسمت الحكومة المركزية بزعامة ماريانو راخوي من حزب الشعب من يمين الوسط على وقفه. وقد أمنت مدريد، في سياق ذلك، حكماً من المحكمة الدستورية لتعليق أي تصويت باعتباره غير دستوري وهددت بإغلاق الحكم المحلي في كتالونيا ككل.

وهذا النفور بين الانفصاليين والمؤيدين للوحدة في كتالونيا وإسبانيا يزداد حدة. ويبدو أن النخبة السياسية والإعلامية في مدريد تعتبر الحشود الانفصالية التي ملأت شوارع برشلونة خلال كل عيد وطني في كتالونيا منذ عام 2012 أقرب إلى الحشود النازية في نورمبرغ.

وفي خضم التراشق الكلامي والجدل الرامي إلى تأليب الشرعية ضد القانون، لم تتفق روايتان على الطريقة التي اتسع فيها عدم الفهم المتبادل ليصل إلى هذه الهاوية. ويأتي كتاب رالف مايندر، مراسل صحيفة نيويورك تايمز «في إسبانيا» في وقته بشكل استثنائي. وتدعو روايته عن انتفاضة سكان كاتالونيا القارئ إلى مناظرة متعددة الأصوات.

وكان القوميون الكتالونيون من التيار السائد و«الباكسيون» يفوزون بمزيد من السلطة والتمويل من مدريد في العادة، عندما كانت الحكومات، سواء التي تنتمي إلى الاشتراكيين أو حزب الشعب، بحاجة إلى أصواتهم لتمرير القوانين والموازنات. لكن الاشتراكيين بحاجة إلى حمل كتالونيا على الفوز في إسبانيا. أما حزب الشعب،.

وريث الغرائز المركزية للجنرال فرانكو، فلم يتمكن من استقطاب مزيد من الأصوات من القوميين، وفي السنوات الـ14 الماضية وجد ربحاً انتخابياً أكبر في مناهضة المشاعر الكتالونية في معظم الأحيان. فلماذا يجري تقديم تنازلات للفوز ببضع عشرات من ألوف الأصوات في كتالونيا، على حساب ربما ملايين الأصوات في أماكن أخرى في إسبانيا، التي تستثيرها الدعاية السامة لليمين؟

وللمفارقة، وكما يشير مايندر، قد يكون القرار الذي اتخذه حزب الشعب في محاربة الارتقاء بالحكم المحلي لكتالونيا، الذي وضعه ليس القوميون بل الاشتراكيون، هو ما أشعل البارود إلى مستوى الانفجار الدستوري الحالي.

في عام 2010، قامت المحكمة الدستورية، بناء على التماس من حزب الشعب الحاكم الذي يقوده راخوي، الذي كان في المعارضة، لكن الممثل بشكل جيد في المحكمة المسيسة، بإلغاء الحكم الذاتي لكتالونيا «استاتوت» الذي جرى إصلاحه، على الرغم من أن الميثاق المعزز حظي بتأييد البرلمانين في مدريد وبرشلونة، وصوت الكتالونيون لصالحه في استفتاء. وبحلول 2015، فاز الانفصاليون بنسبة قياسية قدرها 47.7% من الأصوات.

ومن ذلك الحين، قفز الانفصاليون من الهامش إلى التيار الرئيسي، هؤلاء الانفصاليون الذين بالكاد كان بإمكانهم ملء قاعة، باتوا يملؤون المدن الآن.

وبين جملة القصص التي يذكرها مايندر كيف تم توقيف المخرج الفني الكتالوني لدار الأوبرا في مدريد جوان ماتابوش، في أحد الشوارع الراقية في العاصمة، من قبل سيدة عجوز أنيقة، طلبت منه التوقيع على عريضة ضد النظام الأساسي لاستقلال كتالونيا الذي تم إصلاحه. وينقل عنه مايندر قوله: إن حزب الشعب «خلق وحشاً يخيف حتى الناس الذين أوجدوه».

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon