التربية الأخلاقية ومداها الوطني والإنساني

نحنُ في عالمٍ يتغير، هذه حقيقة جعلت من علماء الاجتماع يواجهون صعوبة، فالموضوعات التي يهتمون بها تتغير، بينما لا يجد الباحثون في العلوم الأخرى صعوبة كالتي يواجهها علماء الاجتماع لأن دراساتهم تقوم على مواد لا تتغير.

ويقول الدكتور محمد عاطف غيث أستاذ علم الاجتماع في كتابه التغير الاجتماعي والتخطيط: «مهما كان الموضوع الذي ندرسه فإننا لا نجد موضوعاً يتغير بسرعة مثل الأعمال التي يقوم بها الإنسان، وعلى الأخص البناء الاجتماعي الذي يشيده»

وقد يكون مسار التغير الاجتماعي إيجابياً حسب المعطيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خصوصاً لو توفرت إرادة سياسية واعية ومدركة ورشيدة لتوظيف كافة الإمكانات من أجل التطور الاجتماعي، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا التطور هو حصيلة تفاعل جميع المعطيات مع بعضها.

وبالمقابل فإن التغير الاجتماعي قد يكون سلبياً ومؤثراً بل ومدمراً للعديد من شرائح المجتمع وخاصة الأطفال والشباب، وهذا أيضاً يعود إلى ضعف وتدهور المعطيات السابقة.

وقد أدركت القيادة الحكيمة في دولة الإمارات حقيقة وتأثير التغير الاجتماعي وقابلية المجتمع على التفاعل مع معطيات التغير خاصةً وإن المرحلة المعاصرة من التقدم العلمي والتكنولوجي وسرعته العجيبة وما لها من تأثيرات سيكولوجية، ولكون المعطيات الإيجابية في دولة الإمارات قد وصلت مرحلة سبقت فيها جميع الدول العربية والعديد من دول آسيا مقتربة من النمو الحضاري لدول أوروبا، فإن هذه المعطيات بحاجة إلى تفعيلها اجتماعياً وهذا يأخذ مسارين:

الأول: الحد من تأثيرات ما يسمى ب ( العولمة ) وما يرتبط بها من تبعات.

الثاني: التوجه إلى البناء الاجتماعي وتعزيزه بقيم التراث والقيم الوطنية والإنسانية.

ولقد بدأ هذا النهج منذ عهد زايد طيب الله ثراه حين أكد على الغنى الأخلاقي وبناء المواطن بناءً ينسجم مع قيم ديننا الحنيف وتراثنا العربي حين قال: «إن التركيز علي الإنسان وسلوكه ومواقفه يأتي من إيمانه وقناعته بأن الأخلاق والسمعة الطيبة هي ثروة الإنسان والأساس بيت التعامل بين الناس»، تلته جهود أخرى عززت البناء الاجتماعي وغرست قيم المواطنة والروح الإنسانية الإيجابية.

والحديث عن ذلك طويل، إلّا أنني أقف مؤخراً على خطوةٍ تاريخيةٍ مهمة، ألا وهي المبادرة الكريمة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، لدعم العملية التعليمية بمادة (التربية الأخلاقية) في المناهج والمقررات الدراسية.

وقد توجت هذه المبادرة الكريمة دراسات وأبحاث مؤتمر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الذي أقيم مؤخراً في أبو ظبي حيث حمل المؤتمر عنوانها: «التعليم والتربية الأخلاقية.. نحو منظومة تعليمية تعزز القيم في المجتمع».

وقد أشاد الخبراء والباحثون في هذا المؤتمر بهذه المبادرة وأبعادها التربوية والمجتمعية الوطنية والإنسانية. وأعربت معالي جميلة بنت سالم المهيري وزيرة دولة لشؤون التعليم العام، عن اعتزازها بهذه المبادرة وقالت أمام المؤتمر: «إن الهدف من مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله لتدريس مادة التربية الأخلاقية هو تعزيز إدراكنا وفهمنا لكيفية التعايش مع الآخر وفق منظومة السلام والمحبة والإخاء، فمن دون التربية الأخلاقية لا يمكن لطلابنا أن يلتحقوا بالعالم من حولهم، وأكدت على أهمية دور المعلمين في تدريس مادة التربية الأخلاقية».

لقد أعطت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لطموحنا الاجتماعي دفعةً قوية وسيكون لها تأثيراتها في حصانة المجتمع وتماسكه، وفي بناء وعيه الوطني وتطلعاته الإنسانية الإيجابية.

إن العالم اليوم وهو يحث الخطى لا نعلم هل إلى المعلوم أم إلى المجهول، في كلتا الحالتين لابد أن نضع نصب أعيننا سلامة مجتمعنا وحصانته وحمايته فهو الضمانة الأكيدة لتحقيق أولوية الإمارات وتقدمها الحضاري.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon