الفن يهدّد إمبراطورية التطرّف والإرهاب

قد يظن القارئ أن العنوان غريب بسبب أن تهديدات التطرف والإرهاب تحصد أرواح الناس وصوتها مرتفع. ولكنني أرى أن العالم يجب أن يتخذ زمام المبادرة ولا يكون في حالة رد فعل دائماً في مواجهة دعاة التطرف والإرهاب.

إن من يعرف تأثير الفن بكافة أشكاله قد يتفق معي على أنه يمكن للفن فعل الكثير ليؤرق حياة المتطرفين والإرهابيين، ويدفعهم للتغيير والعيش بصورة سلمية متعايشة مع الآخر مهما كانت الخلافات بينهما.

قالت أم الزين بن شيخة مؤلفة كتاب «الفن في زمن الإرهاب» إن الفن قادر على مناهضة الإرهاب إذا ما تم توفير المؤسسات الثقافية الكفيلة باحتضانه وتشجيعه وتحقيق المصالحة بينه وبين شباب العالم العربي. لكن المشكلة تكمن في عدم قيام الحكومات في الكثير من دول العالم بتخصيص ميزانية كبيرة للإنفاق على الفن ليقوم بالدور المنوط به.

إن إنفاق الحكومات على الفن ومؤسساته يقل عن 1% من الإنفاق الجنوني على السلاح، فهناك مليارات الدولارات التي تنفق سنوياً على الأسلحة وغيرها من الجهود الأمنية لمكافحة التطرف والإرهاب. إن الدول المتقدمة بصفة عامة تخصص أوقاتاً في المناهج والحصص الدراسية للموسيقى والرسم وغيرها من ألوان الفنون لأهميتها في بناء الشخصية السوية التي تتعايش مع المجتمع.

في المقابل لا تركز المناهج التعليمية في الكثير من البلدان العربية على الفنون، وتعتبر حصص الموسيقى والرسم حصصاً ترفيهية، ولا تتوفر الأجهزة والآلات الموسيقية اللازمة لجعل حصص الموسيقى فعالة ويستفيد منها التلاميذ.

إن الفن يدغدغ المشاعر ويسمو بالروح ويوسع من الأفق ليقبل الآخر ولا يفكر في إيذائه. إن الفن يجمع ويبني، ولكن التطرف يفرق ويهدم. فكرت في هذا المقال بعد حضوري صالوناً ثقافياً يجمع بين مسلمين ومسيحيين، محجبات وغير محجبات، وتم عزف الموسيقى واشترك الجميع في الغناء، وكان الفرح والتعايش هما السمة الأساسية لهذا اللقاء.

وعلمت خلال اللقاء أن أستاذاً جامعياً متخصصاً في الفلسفة قام بعمل ورش عمل للموسيقى في الجامعة وهي اختيارية لمن يرغب. إن التفكير في تعليم الموسيقى وغيرها من ألوان الفنون يجعل من الفرد في موقف الفعل وليس رد الفعل، ويصعب من غسل الأدمغة لتتحول للتطرف. إن تجذر الفن يشكل مناعة وحصانة ضد الانجراف في تيار القتل والتعصب.

هناك عدد من الأعمال الفنية التي سلطت الضوء على التطرف والإرهاب مثل مسلسل «العائلة» المصري، ومسلسل «سيلفي» بطولة الممثل السعودي الرائع ناصر القصبي، وفيلم «دم الغزال» بطولة الراحل الفنان العظيم نور الشريف،. كذلك هناك العديد من الأعمال الفنية الأجنبية مثل فيلم «الأسود الأربعة» وغيرها.

ولكن المهم من وجهة نظري هو عمل أفلام قصيرة توعوية بخطر التطرف والإرهاب من جانب، والاستمرار في تعليم الناس الفن بكافة أشكاله من جانب آخر لأن الفن بحد ذاته دون تناول قضايا التطرف والإرهاب كموضوع له، لهو قادر على تشكيل شخصية مرهفة الحس تقبل الآخر ولا يمكنها ارتكاب القتل الذي يميز التنظيمات المتطرفة.

إن قيام تنظيم داعش بحرق الآلات الموسيقية في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها في ليبيا، وقيامهم بهدم المتاحف والآثار في العراق وسوريا، وتحريمهم الموسيقى لأنها حرام من وجهة نظر قيادات التنظيم يظهر بصورة جلية خوف التيارات الدينية المتعصبة من تأثير الفن السحري على تكوين الشخصية السوية التي تشكل عقبة أمام نمو أيدلوجية القتل.

إن كل التيارات الدينية المحافظة هي ضد الفن بصورة عامة لأنها تعتبره حراماً. إن خوف القيادات الدينية المتطرفة من فقدان سيطرتهم على جمهورها هو السبب في منع الفن لأن الفن يحرر الفرد من القيود التي تفرضها تلك القيادات، ويكون له شخصية مستقلة قادرة على النقد وإبداء الرأي المخالف وهو عكس كل أسس تلك التيارات الدينية المحافظة.

ومن هنا أرى أن الحكومات يجب أن تغتنم الفرصة بالشراكة مع رجال الأعمال والفنانين في الاستفادة من الفن في خلق مجتمع سوي قادر على تقليل المساحة التي يتحرك فيها المتطرفون، وتحصين العقول من الانجرار وراء دعاوى التعصب والكراهية التي تبث سمومها تلك العقليات الدينية المنغلقة التي تسعى لبناء مجد ذاتي.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon