هويتنا الوطنية وتحديات العصر

لم تنشغل دول العالم قديماً أوحديثاً بموضوع مثلما انشغلت بموضوع «الهوية» بأشكال مختلفة من خلال السعي للحفاظ على السمات الوطنية والقومية عبر القوانين التي تصدرها أو بتمسكها بتراثها القومي وتعزيز الهوية الوطنية عبر الفنون والآداب والعمران أو من خلال الدفاع عن هذه الهوية أثناء التحديات الخارجية التي تواجهها وتحاول التدخل في تغييرها أو طمسها.

وحين هبت رياح العولمة وقيل إن العالم سيصبح كله قرية واحدة، صار التحدي واضحاً وصارت كل الدول تعمل بجد للحفاظ على هويتها وتعزز من حضورها القومي وتبتكر الوسائل التي تحمي أجيالها من التغرب والضياع في أتون أمواج العولمة العاتية.

وقد سعت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ حياة والدنا المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى أن تصنع للهوية الوطنية الاتحادية حضورها وتعزز سماتها وخصائصها التاريخية والجغرافية والتراثية والنفسية من خلال حكمته وفكره القومي الذي أعطى للهوية الإماراتية خصوصيتها بربط جذورها العريقة بالتراث من جهة وبحركة البناء والتطور من جهة أخرى، وألا يكون الانفتاح على العالم ولا التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي على حساب الهوية الوطنية.

ثم جاء دور صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حين دعا إلى الاهتمام بالهوية الإماراتية، وتلك الدعوة لم تأتِ مصادفةً، أو من فراغ، بل من هاجس الحاكم المتطلع إلى مصالح شعبه، ومسؤولية الحاكم الصالح تجاه شعبه كمسؤولية الأب تجاه أبنائه، فعليه أن يستشرف الأخطار التي تهددهم ويعالجها قبل أن يستفحل الداء ويستعصي الشفاء.

ولقد عرف التاريخ اندثار شعوب وتشتتها وضياع أوطانها حين فقدت هويتها، فالشجرة التي تنقطع عن جذورها، سريعاً ما يصيبها اليباس، والإنسان الذي فقد ذاكرته يفقد مصيره، والهوية هي جذور المجتمعات وذاكرتها، وهي بالتالي حافظ استمرارها وبقائها، ومخزن معرفتها وحكمتها، وبوصلة توجهها وملهمة عبقريتها وإبداعها.

إن العصر الذي نعيشه هو عصر إثبات الوجود، بل هو عصر الهويات، فمن لا يحافظ على هويته، فقد أهم شروط كينونته، ولعل مواجهة المخاطر التي تهدد الهوية في هذا العصر كثيرة جداً بسبب الانفتاح والعولمة وما جلبته من تقنيات وآليات وتزاحم بين الخاص والعام، غير أننا إذا أردنا أن نضرب مثلاً في الحفاظ على الهوية الوطنية لا نجد مثلاً في العالم كله أقوى من الإرادة السياسية في دولة الإمارات العربية المتحدة، فرغم صغر خارطتها إلا أنها فاتحة أبوابها ومنذ عقود لأكثر من مئتي جنسية تعمل وتعيش بين ظهرانيها دون أن يؤثر ذلك في خصائصها الديموغرافية أو الاجتماعية أو الثقافية، وهي قد واجهت رياح العولمة بالتمسك بثوابتها ومبادئها الوطنية والقومية متوجهةً للأجيال بالرعاية والتحصين، وهي قد ربطت بين التعليم والثقافة والتراث برباط الهوية الوطنية والحفاظ عليها حتى أصبح المواطن الإماراتي يميز أينما كان ليس فقط من لباسه التقليدي الذي اشتهر به مند زمن طويل، بل ومن خلال تفكيره وشخصيته وثقافته ووعيه الوطني العالي.

نعم نفخر بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك خصوصيتها بين دول وشعوب العالم من خلال حفاظها على هويتها وتمسكها بها دون أن يجعلها ذلك منغلقة أو متعصبة أو رافضة للآخر كما يحدث بالنسبة لبعض الهويات في العالم.

هويتنا وطنية بامتياز ولكنها قومية وإنسانية، تشارك العرب همومهم وتسعى لعونهم وهي تغيث الملهوف وتساعد الفقراء وتشفي المرضى وتعلم المحرومين من التعليم وتقدم المساعدات للمنكوبين في أنحاء عديدة من العالم.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon