عقم الدوحة السياسي وتزوير التاريخ

على كومة من الأكاذيب يعتلي «جوليان أسانج»، مؤسس موقع «ويكيليكس» ويرتدي ثوب المحامي المراوغ المتربص ويشهر سيفه للدفاع عن قطر، فما هو الثمن الذي يجعل أسانج يتقمص هذا الدور الرخيص؟

بالأمس فقط، وقف أسانج يعلن صراحة أنه «عثر على رسالة كتبتها هيلاري كلينتون لمدير حملتها الرئاسية جون بوديستا في مطلع عام 2014، وذكرت فيها أن الحكومة القطرية تمول تنظيم «داعش» وتضيف في رسالتها: «إننا نحتاج إلى تفعيل جهودنا الدبلوماسية وتنشيط دور مخابراتنا من أجل الضغط على الحكومة القطرية التي تدعم تنظيم داعش وعدداً من المجموعات الدينية الراديكالية لوجستياً ومالياً»!

خلال نشر تلك التسريبات تباهى أسانج بما ينشره وذكر أن «الحديث يدور عن بعض الأمراء المتهورين الذين يستخدمون مبالغ ضخمة من دولارات النفط لتمويل المتطرفين» وأن «الأشخاص الذين يمنحون الأموال لصندوق كلينتون هم ذاتهم الذين استثمروا في تنظيم «داعش» الإرهابي المشهور». فما الذي جعل أسانج ينقلب 180 درجة ويبدأ الدفاع عن قطر، بشكل مبرمج، منذ اندلاع الأزمة الراهنة في العام 2017؟

غير بعيد، وفي العام 2015، ذكر مؤسس موقع«ويكيليكس» أن لديه 7 وثائق عن قطر نشر منها 5 وثائق وحجب اثنتين، وقيل إن ذلك جاء بعد تفاوض قطر مع إدارة الموقع حيث فرض أسانج على الدوحة «أتاوة» كبيرة وطلب مبالغ ضخمة حتى لا يتم النشر لما تحويه الوثيقتان من معلومات خطيرة تتعلق بقطر ولقاءات مع مسؤولين إسرائيليين وأميركيين وتدور في مجملها حول التحريض ضد مصر. هذه التصريحات نفسها، وبعد تأكيدها ونشرها عالمياً، عاد أسانج، أخيراً، وبقدرة قادر لتكذيبها بل تمادى وراح يكيل الاتهام للإعلام السعودي بالفبركة والافتراء على دولة قطر، فكذّب أسانج بشكل وقح ما أكده سابقاً، وقال إنه لم يذكر قط أن «الحكومة القطرية تدعم الإرهاب»، وبدا وكأنه يجلس على كرسي يعمل بـ«ضغطة زر» مقره الدوحة، يتحرك وينطق آلياً، حسب النص الظاهر على الشاشة أمامه.

متى وكيف تحول أسانج، وعدد كبير من المخترقين حول العالم، ليصبحوا أداة للدفاع عن قطر؟ يترصدون التصريحات في وسائل الإعلام ويكذبون فيها ما يتعارض مع المصالح القطرية ويؤكدون فيها ما يتفق معها، فهل يمكن أن يكون تزوير التاريخ مجانياً أم إن وراء ذلك التحول المفاجئ مليارات تدفع ثمناً لهذا التزوير والتغيير؟

بات واضحاً الآن أن «الثالوث الخطر» في الدوحة الذي يضم تنظيم الحمدين وأمير قطر، فاقد الأهلية، يعتقد بأن شراء الذمم الإعلامية يمكنه أن يغطي على عقم الدوحة السياسي، وأن منبر الإرهاب، قناة الجزيرة، ومعه ماكينة إعلام الإخوان الإرهابيين، وكذلك الذمم الرخيصة في الإعلام العالمي، سوف ينقذون قطر الحكومة، ويستطيعون تغطية آثار الجروح والشروخات التي تسببت بها في الجسد العربي.

أسانج هو مجرد نموذج لافت لما يحدث في السراديب السرية لحكومة الدوحة، محمية الفرس والأتراك، فقد سبق مؤسس موقع ويكليكس كل من داعش وحزب الله والقاعدة وحماس والإخوان والتكفيريين وإيران الدفاع عن قطر والوقوف إلى جانبها ودعمها دون خجل أو وجل، وحين فشلت الدبلوماسية القطرية الهشة في تقديم واقعة واحدة تنفي عنها حقيقة دعم الدوحة للإرهاب، وفي مفارقة مضحكة، تحول الإرهابيون جميعاً، وفي ليلة ليلاء إلى هيئة دفاع عن الدوحة، فبدا الثعلب يدافع عن جرائم الذئب، فأصبحت جريمته جريمتين، وضجّت القاعة بالهمس، وصدر الحكم: هذا فراق بيننا وبينكم.

كاتبة وإعلامية

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon