إيران تتمدّد في المشرق العربي

لا نعرف بعد كيف سيكون مستقبل العراق الشقيق بعد أن نجحت قواته المسلحة بمساعدة مهمة من قوات التحالف الأميركي في تحرير كافة مدنه وغالبية أراضيه، وخاض في سبيل ذلك معارك ضارية، وخرجت داعش على أعقابها في هزيمة مدوية كسرت عنقها وإن كانت لاتزال تتشبث بجيوب صغيرة إلى زوال..

منذ الغزو الأميركي قبل أربعة عشر عاماً والشعب العراقي يعيش في مسلسل من معارك دامية سقط فيها أكثر من مليون عراقي، ودمرت مقدراته وفقد وحدته وأصبح نهباً للطائفية والعرقية التي تكاد تفصله إلى ثلاث دويلات.

وأياً كانت وجهات نظرنا في حكم صدام حسين، ورغم كافة مخاطره وحماقاته وقد كان مفتوناً بسطوته على الجميع يحكم بالحديد والنار، فقد كان هناك عراق واحد ودولة موحدة تملك مقومات التقدم والاستمرار، يتمتع فيها أكراد الشمال بنوع من الحكم الذاتي وعدد من الحقوق الثقافية أبرزها الاعتراف باللغة الكردية لغة رسمية في كردستان.

وكان نصف العراق الشيعي يتعايش مع نصفه السني في أمن وسلام، يتجاورون ويتصاهرون ويشكلون جزءاً من شعب واحد يصعب فيه التميز بين السنة والشيعة، وكان من الصعب على أي زائر يأتي إلى بغداد أن يلاحظ فروقاً واضحة بين السنة والشيعة.

الآن يسكن الشيعة والسنة في العاصمة بغداد في أحياء منفصلة تفصلها جدران شاهقة واستحكامات دفاعية في دولة تمزقت أواصر وحدتها بفعل الغزو الأميركي..

والأكثر سوءاً أن يفقد العراق وجهه العربي ويصبح خارج معارك القوة في الصراع العربي الإسرائيلي وخارج منطقة الخليج، وأن تصبح طهران هي بوصلة توجهه الرئيسي وقد تكاتف على إحداث هذا التغيير الاستراتيجي المهم توافق عاملين رئيسيين رغم تناقض مصالحهما الواضح:

أولهما أن واحداً من بين أهم أسباب الغزو الأميركي للعراق هو ضمان أمن إسرائيل وتفوقها الساحق على كل جيرانها العرب، بإخراج العراق من دائرة الأزمة العربية.. وجرى تسييس الطائفية في العراق، وتم تأسيس جميع الأحزاب السياسية الجديدة في العراق على أسس طائفية لمصلحة إحداث تغيير جذري في طبيعة السلطة في العراق همش مركزية الدولة.

أما السبب الثاني فمصدره أن إيران وجدت في هذا التغيير الضخم الفرصة المواتية لقتل العراق كدولة منافسة على المستويين العسكري والمدني، بعد أن خاض الاثنان حرباً ضروساً استخدما فيها مختلف الأسلحة بما في ذلك الأسلحة الكيماوية أذكى الغرب والأميركيين على وجه الخصوص أدارها..

وربما يكون صعباً أن نعرف على وجه التحديد إن كانت الولايات المتحدة وإيران قد توافقتا على هذا الهدف، لكن الأمر المؤكد أن احتلال الولايات المتحدة العراق كان أكبر هدية استراتيجية قدمتها واشنطن للنظام الإيراني كي يمضي قدماً في مشروعه التوسعي، الذي يبدأ بإحكام السيطرة على العراق وإشغاله بمشكلاته الداخلية كي يتمدد النفوذ الإيراني إلى مختلف دول المشرق العربي..

وهذا ما يشغل الآن طهران التي تخطط وتنفذ مشروعاً لا يقل خطورة هو فتح ممر مباشر يمتد من العراق إلى سوريا ولبنان، يسهّل إرسال العتاد والسلاح والمؤن عبر محافظة ديالى العراقية الملاصقة لحدود سوريا يقوم على تنفيذه الجنرال قاسم سليماني من الحرس الثوري الإيراني.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon