لماذا لا نشتاق إليهم؟

عندما سافرتُ للدراسة في أميركا قبل سبعة عشر عاماً، وكنتُ أول أصدقائي الذين اتخذوا قراراً بالدراسة في الخارج، تجمّع عدد كبير من الأصدقاء والأحباب لتوديعي في المطار. كان المشهد غريباً، فلم يكن أصدقائي هم الذين حضروا فقط، بل بعض أصدقاء أبي أيضاً. كانت تلك أصعب رحلة في حياتي، حيث لم أكتفِ بالبكاء في الطائرة، بل أصابتني حُمّى في الطريق من لندن إلى واشنطن. تكيّفتُ مع المكان بصعوبة، حيث كانت واشنطن مدينة جافة، هكذا أتذكرها، وكنتُ أقول لأبي كلما تحدثتُ معه عبر الهاتف بأنها مدينة مُظلمة؛ مليئة بالسيارات الدبلوماسية السوداء ولا تصلح للطلبة.

وما زلتُ أحتفظ بالرسائل التي كانت تصلني من أهلي وأصدقائي عندما كنت هناك، فلم يكن البريد الإلكتروني حينها إحدى الوسائل المتاحة للجميع. وفي يوم من الأيام وصلتني رسالة من أحد أصدقائي يشتكي إلي فيها مِن غيابي، ويُطالبني بالعودة لأُصلح بينه وبين صديق آخر كما كنتُ أفعل دائماً. أما أمّي فلقد كانت تحكي لي في رسائلها عن كل شيء يدور في حياة العائلة، ولم تكن تنسى أن تُذيّل كل رسالة بحضّي على الصلاة، وتذكيري بأنها تحبني وتدعو لي في كل ليلة. وأجمل رسالة كانت من أبي؛ حيث صارحني، لأول مرة، بمدى حبّه لي، وكيف كان يشعر بفقدٍ في حياته بعد غيابي.

وعندما عدتُ من السفر كان حضور الأصدقاء في المطار طاغياً، وكانت المشاعر والدموع تملأ الأحداق والمكان، حتى أن بعضهم كان يحمل وروداً في يديه فشعرتُ بأنني غبتُ عقداً وليس عدة أشهر. وفي البيت تحلّقت الأسرة حول مائدة كبيرة في وليمة جمعت الكبار والصغار.

واليوم، كلما عزمتُ على السفر حجزتُ تذكرتي من الموقع الإلكتروني لشركة الطيران، وفي الصباح أستقل سيارة المطار، وعندما أصل أتجه ناحية المِنصّة الآلية وأقوم بشحن الحقائب لوحدي ثم آخذ بطاقة الصعود من الجهاز، وأتجه إلى الطائرة دون أن أتحدث إلى أحد، ودون أن يعلم أحد، تقريباً، بأنني مغادر. أقضي أياماً خارج الوطن دون أن أتلقى اتصالا إلا من المُقرّبين، ولا أتكبد عناء الاتصال بأحد ولا أرسل رسالة هاتفية إلى أحد أيضاً. والمشكلة الرئيسة هي أنني، كغيري من الناس، لم أعد أشتاق كثيراً إلى أحد، ولا أفتقد الأشياء والأماكن والأشخاص كما كنتُ أفعل في أيام الدراسة.

ماذا جرى لنا؟ وأين اختفى الاشتياق؟ ولماذا صار الفقدُ عملاً رجعياً، أو مملاً، لا نمارسه إلا مرة كل عدة سنوات! لقد كنا نحزن، قديماً، عندما يموت لنا قريب، أما اليوم فصرنا نبكي لدقائق ثم ندفنه وننصرف من المقبرة ونحن نتحدث حول العمل والتجارة ومشكلات الحياة.

كنتُ في المقبرة قبل سنوات لحضور جنازة امرأة عجوز، وكان خلفي مجموعة من التجّار يتحدثون ويضحكون بصوت منخفض. وبعد شهر مات أحد أولئك التجار، وعندما وقفنا على قبره قلتُ في نفسي: ماذا لو كان يعلم، عندما كان في نفس هذا المكان قبل أيام، بأنه سيفارق قريباً، هل سيزور من يحب؟ وهل سيتصل بأصدقائه القدامى ليقول لهم بأنه اشتاق لقضاء ساعة معهم كما كانوا يفعلون في الأيام الخوالي؟

لماذا لم نعد نفتقد الآخرين كثيراً؟ لماذا فارَقَنا الشعور بالحاجة إلى سماع صوت من نُحب؟ وربما يكون السؤال الصحيح هو: هل فقدنا القدرة على الاشتياق؟ .

نحن على اتصال دائم بالناس جميعاً، في تويتر وفيسبوك وغيرهما من وسائل الاتصال، ولكن هل الذين اعتنوا بنا، وشجّعونا، وصدّقونا، وآمنوا بنا، وأحبونا، ضمن هؤلاء الناس؟ لماذا ننتظر الفراق الأخير لنشعر بأننا نشتاق حقاً؟ لم تكن لدي إجابة عن هذه التساؤلات إلى أن اتصلت بي طفلتي عائشة قبل عدة أيام وطلبت مني أن أعود إلى البيت وأحملها كما كنتُ أفعل دائماً، فضحكتُ وسألتها عن سبب إصرارها فقالت لي: "قالت لي المعلمة بأنني كبرت، ولقد قلتَ لي مرة بأنك لن تستطيع حملي عندما أكبر. تعال بسرعة". أقفلتُ الخط واتجهتُ إلى البيت مباشرة وأدركتُ بأننا لا نشعر بالأشياء الجميلة حتى نفقدها.

 

طباعة
comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

لأكثر شعبية

الأكثر قراءة

  • هل من صباحٍ يا عراق؟

    في عراقٍ مُرَكَّع قسراً لِعّدوِّه الأزلي وتتناهب خيراته أيدي الفاسدين من الساسة وتعبث بأمنه حثالات أداة الإجرام داعش وبنادق..

  • بنك الإمارات دبي الوطني في لندن صورة مشرّفة

    عنّ لي أن أسطر مقالاً عن هذه المؤسسة الاقتصادية، بنك الإمارات دبي الوطني، وأنا ألج بوابة العمارة التي تشغل جزءاً كبيراً منها مكاتب هذا البنك على ناصية أحد الشوارع الرئيسية المعروفة، وهو شارع سلون ستريت SLOAN STREET..

  • ميونخ التي أعرفها جيداً

    زرت ميونخ للمرة الأولى صيف عام 1999، بعدها وخلال أكثر من 15 عاماً، زرت هذه المدينة مراراً وتكراراً، وبينما فرقت الأيام وظروف..

  • إدارة المعرفة في الجهات الحكوميّة

    مفهوم إدارة المعرفة يقوم على مجموعة من الأنشطة التي تضم عدداً من المكونات، مثل التحسين والتطوير وإدارة المبادرات وتحليل واستيعاب..

  • التفاصيل مسكونة بالشياطين!

    توقفت عند هذا التعليق «أخبار داعش والقتل حتى في صالون التجميل» فكتبت رداً سريعاً «إنها عولمة الإرهاب»، وفي الحقيقة فقد جعلني..

  • حتى لايصبح الرصاص لغة

    بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى احتدام الشجار بين الزوجين، وخلصت إلى رفع السلاح من قبل الزوج على زوجته فأرداها قتيلة..

  • الأفاعي تتلون

    تغير الأفاعي جلدها بحسب البيئة المحيطة بها، تتلون بألوان الطبيعة، تموه الآخرين، كل من تخشاهم، بشر وحيوانات مفترسة، من يمثلون..

  • اقتصاد الإمارات في أمان

    رغم تأثر العديد من دول العالم بالانخفاض الحاد في أسعار النفط على مدى العامين الماضيين، إلا أن اقتصاد دولة الإمارات العربية..

  • حساب درجات القرابة

    تسمعون عن درجات القرابة، وكثيراً ما يسألني الزملاء عن معناها؟ وكيفية حسابها؟ وما هو القانون الذي ينظمها؟ القرابة كما

  • عَدلتَ فأمِنتَ

    الصور ولقطات الفيديو المتداولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله..

اختيارات المحرر

  • مهرجان ليوا للرطب سياحة تراثية تظللها أشجار النخيل

    قالت اللجنة المنظمة لمهرجان ليوا للرطب 2016 لـ«البيان» إن المهرجان أسهم في رفع نسبة إشغالات الفنادق في مدينة ليوا ومدينة زايد بنسبة تخطت حاجز الـ90%، مرجعةً السبب إلى النجاحات التي حققها خلال السنوات الماضية..

  • كاندي: جوهرة سيرلانكا والمحيط الهندي

    هل فكرتم يوماً بزيارة سيرلانكا؟ إذا ما أقدمتم على هذه الخطوة الجريئة فإن نظرتكم ستتغير كلياً عن هذه الدولة الآسيوية التي تلقب بـ "جوهرة المحيط الهندي".

  • الإمارات الوجهة المفضلة والآمنة لتمضية العطلات

    ما إن انتهى عرض ترفيهي في احد أماكن التسوق في أبوظبي حتى تجمع شباب متحمسون من مختلف الأغمار والجنسيات مع اسرهم متوجهين إلى عرض آخر جديد يتحدون درجات الحرارة والرطوبة العالية في هذا التوقيت من العام.

  • «باكو» اكتشاف جديد للعائلات الإماراتية صيفاً

    شكلت العاصمة الآذرية »باكو« افضل الخيارات السياحية للعائلات الإماراتية بعد تصاعد الأحدات في الوجهات السياحية التركية في ظل ما تمتاز به المدينة من قرب المسافة .

  • رسالة "إيمرسي" لطبيب نصح والدتها بإجهاضها

    نصحها مراراً بالإجهاض لأن طفلتها مصابة بمتلازمة داون مما سيجعل حياتها وحياة أسرتها محفوفة بالصعاب، لكنها رفضت التخلي عن جنيها لتفاجأ الطبيب بعد عام من ولادة طفلتها إيمي برسالة مؤثرة.

تابعنا علي "فيس بوك"

Happiness Meter Icon