«أولاد الشوارع» وبناء المجتمع

في ظل الأحداث الأخيرة في الشارع المصري، وأعمال الشغب المتكررة بين الفينة والأخرى، يرمي الكثير من المحللين السياسيين الكرة في ملعب النظام السابق.

الذي ترك مجالاً لمن يسمّون بأولاد الشوارع ليكونوا قنبلة موقوتة، انفجرت بعد أحداث يناير 2011 لتقوم بأعمال التخريب والتدمير والبلطجة، وأحداث ماسبيرو ومحمد محمود وغيرهما، إلى أن كانت الطامة الأخيرة في أحداث مباراة الأهلي والمصري، والتي راح ضحيتها 74 قتيلاً وأكثر من ألفي جريح، قتلوا أو أصيبوا دون ذنب سوى أنهم نتاج أحداث شغب.

ودون النظر لظروف هذه الوقيعة من حيث ما إذا كان قد تسبب فيها مشجعو النادي الأهلي (الالتراس) أو أبناء بورسعيد مشجعو النادي المصري من جهة أخرى، إلا أن وقعها كان مؤلماً على الشارع الرياضي العربي عموماً والمصري خصوصاً، والذي يعرف بعاطفته ورفضه لإراقة الدماء.

ومع ذلك فإن الكل يتفق على أن من قام بهذه الأعمال التخريبية والإجرامية، هم زمرة من المجرمين الخطرين الذين لا رحمة في قلوبهم، ولم يراعوا في الله إلاً ولا ذمة، إذ يذكر البعض أن بشاعة الجريمة فيها، وصلت إلى حد أن يقوم شخصان بحمل رجل أو امرأة أو طفل، أحدهما يمسك يدي الضحية والآخر رجليها.

ويقومان بإلقائه من أعلى سور الاستاد ليقع قتيلاً من فوره! وبذلك فإن كم وحجم الإجرام الذي تمثل في فعلهم، تحت أضواء كشافات الاستاد والتي توازي وضح النهار وأكثر، تتحقق فيه بشاعة الجريمة التي لم نشهدها في واقعنا من قبل في مباراة ودية أو رسمية، بين فرق دولة واحدة أو بطولات عالمية، والحمد لله على نعمة الأمن والأمان.

والسؤال الذي يطرح نفسه؛ من الذي ملأ صدور هؤلاء الأشخاص غلاً (البلطجية أو أولاد الشوارع) على ضحاياهم الذين هم أبناء جلدتهم من المصريين؟ من الذي جعل قلوبهم كالحجارة بل أشد قسوة؟ هؤلاء وفق يقيني أن الواحد منهم لم يكتفِ بإلقاء أو قتل شخص أو شخصين من الأربعة والسبعين، بل قام كل منهم بقتل عدد من الضحايا..

فلماذا كل هذا الحقد؟ وما هو سببه؟ وكما ذكرت، يعيد الكثيرون هذا الخطأ إلى النظام الذي أوجد أولاد الشوارع وتركهم لتربية الشارع، وأنا لا أريد أن ألقي باللائمة على شخص معين، ولكن كل السياسيين والكتاب وأصحاب القرار في ذاك وهذا الزمان، مسؤولون عن خلق طبقة أولاد الشوارع (القنبلة الموقوتة)، لأنهم لم يشاركوا بالرأي أو القول في علاج أو طرح طرق علاج هذه المشكلة، وإنما جعلوا من ضحايا النظام السابق شماعة يعلقون عليها خطأهم المشترك.

كان وما زال ولا بد من طرح حلول لعلاج هذه الإشكالية، وقد عرض البعض للتجربة الصينية بدمج أولاد الشوارع في الحياة الاجتماعية والاستفادة منهم بقدر كبير، وتفعيلهم كحرفيين مهرة أو أيدٍ عاملة ميسرة، كأحد الحلول. ولكن لا شك أن هذا العلاج يحتاج إلى وقت طويل نوعاً ما، ويمكن تطبيقه لاحقاً، أما وإننا نعيش واقع الحال، فلا بد من حل سريع وجذري لهذه المعضلة.

وأزعم أن هذه الإشكالية، خاصة في دولة كجمهورية مصر العربية التي تشكل نسبة أولاد الشوارع فيها عدداً أو حجماً كبيرين، لا بد من علاجها علاجاً فورياً، وذلك من خلال قيام المجلس العسكري المصري أو القيادة السياسية القائمة فيه، أو الرئيس المنتخب الجديد، بتبني أولاد الشوارع وضمهم إلى الأجهزة العسكرية.

واستخدامهم في القوات المسلحة، وخلق وزرع حب الله ثم الوطن في قلوبهم، ليكون يقينهم أن الله ربهم، ومصر أمهم التي احتضنتهم. وهذا الحل ليس جديدا، ولكنها تجربة سابقة ورائدة كانت سبباً في الإبقاء على عرش الدولة العثمانية قروناً من الزمان، تسوس فيها العالم وتقوده بهذه الطبقة العسكرية ممن يسمون بـ"الانكشارية".

ولكن يجب أن نستفيد من أخطاء غيرنا والواردة في التاريخ، ولا نقع في ذات الإشكال من خلال إعلاء هذا الجيش على قيادته العسكرية أو السياسية، بل ندرس التجربة العثمانية في هذا الإطار دراسة مستفيضة، نقتبس منها ما ينفع ونتجنب ما يضر. وبهذا الحل، وبضم هؤلاء الأولاد إلى منظومة العسكر، سيكونون تحت النظر والسيطرة ليستنفع بهم ويستنفعوا.

وفي طرح موضوع أولاد الشوارع، لا بد أن أشير إلى ضرورة الرجوع إلى قواعد الدين ومبادئ الأخلاق، والبعد عن الوقوع في الزنا، والتخلي عن بذرة نتاج هذه الخطيئة حتى لا تنشأ طبقة مجرمة تسمى "أولاد الشوارع"، ثم نتخلى عنها بعد ظهورها وبروزها على السطح كمعضلة اجتماعية.

ولا بد من تبنيهم كحقيقة تعيش وتتعايش معنا ومع ظروفنا، خاصة وأن القوانين في جميع دول العالم، تمنح حق المواطنة الأصلية لأبناء الشوارع، كمواطنين أولاد للأرض التي وجدوا عليها، ولذلك فإن الواقع يقول إن أولاد الشوارع هم أولادنا.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram
متوفر في App Storeمتوفر في Google Play

لأكثر شعبية

الأكثر قراءة

  • العولمة وشعارات الخريف العربي

    «عيش وحرية وعدالة اجتماعية»، شعارات طالما ترددت في كل ميادين بلاد ما يسمى «الربيع العربي»، والعولمة أيضاً تؤمن «بالمساواة»،

  • كفاية مجاملات!!

    جاء قرار رؤساء الاتحادات الخليجية مع اتحادي العراق واليمن لكرة القدم في لقائهم الأخير، منح الأشقاء في العراق فرصة حتى

  • يا محطب الكويت أكبر منك

    لا أدري لماذا يتعمد البعض إثارة المشكلات، وتعكير الاجواء بسبب وبدون سبب، بل ويتعمد تفسير الامور كيفما شاء، حتى يجد ثغرة

  • روكسلان زوجة سليمان القانوني المفترى عليها

    لم يكن في ظنّ ميرال أوكاي، التي ولدت في أنقرة سنة 1959، وهي كاتبة سيناريو مسلسل القرن العظيم أو ما ترجم عند العرب "بحريم السلطان"

  • في الإمارات عدالة وخصوصية

    العدالة كلمة تحمل في طياتها الكثير كالإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية المصالح الفردية والعامة وهي مفهوم

  • التاج المفقود

    «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى»، مثل يقال لإبراز أهمية الصحة في حياة الفرد وأنها أغلى ما يملك، لكن مع

  • أسلحة الدمار الشامل.. الحقيقية

    في أغسطس عام 1945 أثناء الحرب العالمية الثانية، قُصفت مدينتا هيروشيما وناغازاكي. من منا لا يعرف أشهر المدن اليابانية،

  • منظمة «الغفو»

    طبعاً لا جديد في تقرير منظمة العفو الدولية الأخير حول حرية التعبير في الدولة، وستبقى هذه المنظمة، التي فقدت البصر

  • أبشروا بثني الركبة!!

    كإعلامي تعجبني هذه الشخصيات، أعني الشيخ أحمد الفهد القطب الكويتي الشهير رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي، الرجل القائد،

  • نحو رأب العلاقات العراقية العربية

    لم تكن العلاقات العربية - العربية خالية من الشوائب في يوم ما منذ تأسيس الجامعة العربية، بل كانت تحكمها على الدوام

اختيارات المحرر

  • «أوسكار» القط الذي يشم رائحة الموت

    في موضوعنا اليوم نعرفكم على القط "أوسكار" الذي يعيش في دار لرعاية المسنين في ولاية رود آيلاند الأميركية، والذي يمكنه استشعار اقتراب الموت من المرضى. ففي أكثر من 50 حالة موثقة،

  • مسار «فان جوخ» للدراجات الهوائية يخلد ذكرى «ليلة النجوم»

    صمم فنان في هولندا مساراً خاصاً بالدراجات الهوائية يضيء تلقائيا عند حلول الظلام، وأطلق عليه اسم مسار "فان جوخ" تخليدا لذكرى الرسام الهولندي الذي اشتهر بلوحة "ليلة النجوم".

  • دبي مدينة المستقبل تزخر بتصاميم العمران العصرية

    يعود تاريخ مدينة دبي إلى القرن السابع، ولكن قليلون هم من يربط هذه المدينة الأكبر في دولة الإمارات بالعصور القديمة، فالتوصيف الأبرز لدبي هو أنها " مدينة المستقبل " وهذا التوصيف طبيعي جدا ففي الواقع لا يمكن مشاهدة هذا الكم من التصاميم المعمارية في أي مكان آخر بالعالم وهي في مجملها تصاميم عصرية حديثة بل وتسبق عصرها بأزمان بعيدة .

  • هجرة "السردين" في جنوب أفريقيا .. الوليمة الكبيرة

    في كل عام بين شهري مايو ويوليو، تهجر وفود هائلة من السردين شمالا من المحيطات الجنوبية الباردة قبالة كيب بوينت جنوب أفريقيا إلى المياه الدافئة في كوا زولو ناتال، وتمر عبر الشواطئ لتشق طريقها على طول السواحل، في ظاهرة تعرف عموما باسم الهجرة السنوية للسردين.

  • جزيرة ميكسكالتيتان».. فينيسيا المكسيكية

    ميكسكالتيتان (Mexcalitán ) هي قرية صغيرة تقع على جزيرة في إحدى البحيرات ومصبات الأنهار في شمال سان بلاس، في بلدية سانتياغو، بولاية ناياريت المكسيكية.

تابعنا علي "فيس بوك"