طيش وتهور بعض الشباب

طيش وتهور بعض الشباب

يلجأ الشباب إلى تفريغ طاقتهم الكبيرة، إما بنشاط إيجابي أو سلبي، وهنا يكون للأسرة والمدرسة دور في توجيه الشباب، وإشغال وقت فراغهم بنشاطات تفيدهم وتفيد مجتمعهم.

فهناك الدراسة والرياضة والقراءة، ونظافة البيئة، والنشاط في مؤسسات المجتمع المدني، وفي كثير من الدول يوجد التجنيد الإجباري وغيرها. فلجوء الشباب إلى العنف والتخريب، ناتج عن فشل المجتمع في استغلال هذه الشحنات من الطاقة المتمردة واستثمارها في الأنشطة المفيدة للشباب أنفسهم ومجتمعهم، ولكل الناس.

كل المجتمعات مرت وتمر بهذه المرحلة العمرية، ولكن يختلف سلوك الناس من مرحلة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر. ويحتار الكثيرون من المواطنين، وخاصة أولياء أمور الشباب، والحكومات في هذه الظاهرة، لأن تفريغ طاقة الشباب يمكن أن يساء استغلاله.

فالتطرف الذي يعبر عن نفسه في عصرنا بأعمال عنيفة تصل حد قتل النفس والآخرين، هو دليل على فشل في مسيرتنا التربوية والتعليمية والثقافية. فالشباب عماد المجتمع وتطوره ومستقبله، وإذا لم نتمكن من الاستفادة من طاقته إيجابياً، فستتحول إلى سلاح للتدمير الشامل.

لقد أدرك بعض الدول والمجتمعات أهمية السيطرة على هذه الطاقة، قبل خروجها عن المألوف بآثارها السلبية، وذلك عن طريق تفريغ هذه الطاقة في غرس القيم الجيدة والمفيدة فيهم والتوعية المستمرة والاهتمام بالتربية المدرسية.

خاصة بالمرحلة الابتدائية، وأن تعي الحكومات أن عليها دوراً أساسياً في الاهتمام بالتربية والتعليم، وفي توفير وسائل الرياضة، وفي التوجيه والتثقيف لهؤلاء الشباب بما هو نافع، وفي فرض النظام والقانون.

ويتساءل البعض عن سبب هذا التهور والعنف في مجتمعاتنا التي تعيش حالة من الرخاء الاقتصادي، وهل هي مبررة في المجتمعات الفقيرة؟ والمسألة ليست فقراً وغنى، بل هل لدينا تربية وتعليم وثقافة وقيم جيدة أم لا؟

وقد يتيح الغنى مجالاً أكبر لطيش وتهور الشباب، إذا لم تتوفر شروط ضبطهم وتوجيههم وتثقيفهم. ويذهب البعض إلى القول ان شبابنا في الماضي البعيد والقريب، لم يكن هكذا تهوراً وعنفاً، فلماذا الآن؟

للإجابة على السؤال، لا بد من معرفة طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقيمية في المرحلتين، ومقارنتها.

اليوم لدينا أعداد كبيرة من الشباب المواطنين والوافدين، يصلون إلى أكثر من نصف المجتمع ممن هم في سن المراحل الدراسية، وبزيادة سكانية هي أضعاف ما كانت عليه في الماضي، ولدينا اليوم وضع اقتصادي مريح في دولة الرفاه في منطقة الخليج العربي، التي وفرت للشباب وسائل لم تكن لديهم في الماضي، ويمكن استغلالها في كبح جماح ذلك التهور والعنف.

كذلك ضعفت في أيامنا هذه رقابة الأهل للأبناء، مقارنة بالضبط الاجتماعي داخل العائلة في الماضي، فتوفرت للشاب أو الشابة السيارة والموبايل وحتى البندقية لدى بعضهم! وهناك ظاهرة منفلتة في مجتمعاتنا في دول الخليج العربية، وهي ظاهرة التسرب من التعليم والبطالة.

فقانون التعليم الإلزامي هو حتى المرحلة المتوسطة فقط، ونجد آلاف الشباب قد انقطعوا عن التعليم ولا يعملون، ويعيشون على حساب أولياء أمورهم المقتدرين، أو على مؤسسات أخرى، أو عاطلين عن العمل.

ولننظر إلى مسألة التطرف الديني في دولنا، فمن هم «المجاهدون» الانتحاريون؟ إنهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، فهذه الطاقة تستغل في العنف في هذا المجال.

ثم انظر إلى شوارعنا المليئة بالسيارات الفاخرة، وسباق الشباب واستهتار بعضهم الذي يعرض حياته وحياة الآخرين للخطر، فهي هدر للمال والطاقة الشبابية، وهدر لإمكانيات الدولة. ثم تجد ظاهرة السرقة التي يستخدم فيها السلاح أحياناً.

ونود أن نشير هنا، حتى لا يساء الفهم، إلى أن تلك الأنشطة المتهورة الشبابية تحدث من شباب مواطنين ووافدين، والمؤلم أن أغلبها من الشباب المواطنين الذين تجدهم، أحياناً حتى في الأعياد الوطنية، يعبرون بطرق فوضوية وعنيفة، حيث شهد بعض دولنا عدة حوادث مأساوية في تلك الأعياد.

وعند التفكير في حل لذلك الطيش والتهور من قبل بعض الشباب، نركز على نتائج الظاهرة في الوقت الذي يجب التركيز فيه على أسبابها.المسألة ليست بالعقاب الآني، بل بمعرفة الأسباب ومعالجتها تربوياً وثقافياً وعلى المدى الطويل.

وقد يلومنا البعض بأننا تحدثنا بصورة سلبية عن الشباب ولم نذكر إيجابياتهم. هذا صحيح، لأن هذه المقالة عن الشباب الطائش والمتهور، وليست عن الشباب عموماً.

لكن الاستدراك يدفعنا للقول ان هناك عدداً كبيراً من الشباب المنتج والمثقف والواعد في مجتمعاتنا، لكن القلة المتهورة والعنيفة قد غطت على أولئك، وأصبح التهور والطيش منفلتاً إلى درجة الظاهرة التي تتطلب معالجتها والتصدي لها، فقد كانت ومازالت نتيجة ممارستها ضياع أرواح أناس أبرياء.

ولا يكفي أن نناشد الأجهزة الحكومية في دولنا بالتصدي لهذه الظاهرة، وإنما لا بد أن ينتفض المجتمع بمثقفيه ومؤسسات مجتمعه المدني ووسائل أعلامه وعقلائه ومتخصصيه، لمواجهة الظاهرة. ولا تكفي الشكوى المستمرة، بل الفعل الإيجابي، فهذه إمكانية وطاقة تهدر وتهدر معها طاقة المجتمع.

مثلاً، عندما يقوم شاب بعمل متهور بسيارته في الطريق العام ويرتكب حادثاً، فكيف يتحرك أهله وجماعته وبعض المستفيدين لتخليصه من العقاب، ويجد ذلك التدخل استجابة من بعض الأشخاص في الأجهزة الحكومية، ويخرج الشاب مزهواً من المشكلة، ليعود إلى سيرته الماضية دون رقيب أو حسيب؟!

هل نحن نتكلم عن أمور في الخيال أم هي واقعية تحدث في مجتمعاتنا كل يوم؟ ندعو إلى دراسة ظاهرة طيش وتهور الشباب وعلاجها، وهي مسؤوليتنا جميعاً.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon