جمعيتنا التعاونية

جمعيتنا التعاونية

حين نستعرض تجربة الاتحاد التعاوني في دولة الإمارات العربية المتحدة نجد أن عمرها ليس بالطويل، ولكن بكل المقاييس تعد تجربة ناجحة كتب لها الاستمرار بعد أعوام طويلة تسيدت فيه سلسلة قطاعات للتجزئة بعينها على عرش توفير المواد الاستهلاكية للأفراد حتى باتت هي المسيطرة على السوق المحلي ككل، وحين كانت بداية الاتحاد التعاوني بخطى بطيئة تشكر عليها كانت اللبنة الأولى في فك طوق حصار تلك القطاعات الأجنبية من على السوق المحلية.

وكلما زادت ثقة المساهمين والمستهلكين في الجمعيات التعاونية تلك الفترة كلما كانت هذه الجمعيات عند حسن ظن و ثقة أبنائها فيها، إلا أنها تأثرت بموجة الغلاء الحالية غير المبررة، بحيث لا تكاد ترى سلعة على أرفف الجمعيات لم يرتفع سعرها بشكل يدعو للاستغراب عن منطقية هذه الزيادة، مما عداه أيضا وبشكل مستفز إلى ارتفاع أسعار المطعم التابع لجمعية الاتحاد التعاونية بشكل يدعو للدهشة والاستغراب.

وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه عن زيادة أسعار السلع الأخرى محل الجدال في الجمعية نفسها، مما جعلنا نتساءل عن جدوى فتح فرع لمطعم بالجمعية التعاونية بإدارة غير متعاونة ولا تخدم أهدافها في حماية المستهلك من الغلاء الذي طال السلع الجيد منها والرديء، وغايتها هو الربح حالها حال أي محل تجاري آخر مكانه غير الجمعية التعاونية !

بالطبع هذا لا يجعلنا ننسى أو نتناسى الدور الجميل الذي لعبته الجمعية وكان مصدر تقدير وفخر حين رفعت إدارتها جميع المنتجات الدنماركية من على أرففها بقرار مقاطعة سريع صادر من إدارتها وذلك بعد نشر الصور المسيئة لأول مرة، مما أشعرنا ولأول مرة أيضا بأن جمعية الاتحاد التعاونية جمعية وطنية بحق في دولة الإمارات تتماشى وقضاياها وتعايش الأوضاع المستجدة والراهنة فيها وذات سيادة وقرار نابع من سياسة دولة الإمارات وتوجهاتها بما فيه نصرة ديننا الإسلامي ورموزه.

في وقت شعر فيه المواطنون والمقيمون من العرب والمسلمين بمدى الحاجة لدور ملموس وصادر من جهة ذات تأثير مباشر ومعني بمقاطعة منتجات هذا البلد لنصرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الهجمة الحاقدة وليس كأننا نعيش في واد والعالم حولنا يدور في واد آخر وما يعنينا على أرضنا وفي ديننا لا يعني من يعيش حولنا ومعنا..

كما لم اخف إعجابي لموقف حدث إمامي في إحدى المرات حين قدمت سيدة ليلا لأحد فروع جمعية الاتحاد التعاونية بلباس غير محتشم تسأل أحد الموظفين عن مكان بيع المعسل للشيشة وأنواعه المتوفرة؟! والواضح أنها جاءت من احد المقاهي المقابلة للفرع، فأجابها بوجه ولهجة مزيجها الأدب والاستنكار بأن الجمعية لا مكان للمعسل فيها وبإمكانها ان تبحث عنه في مكان آخر غيرها! ولسان حال المتفرجين يقول: كنا ناقصينك ! اللي اختشوا ماتو! أتعلمون لماذا أعجبت به؟

لأنه أشعرني بأنه يعمل في بيته وما لا يقبله في بيته فهو يستنكره في بيته الثاني (جمعيته). وفي بدايات تفشي ظاهرة اللبس من غير لبس بين مرتادي الجمعية تم توزيع إعلانات تدعو مرتاديها للالتزام بالاحتشام في الملبس، موقف يحسب لها في وقت نحن أحوج فيه لمن يقول (لا) لهذه المناظر المؤذية للذوق العام وخصوصا في (الفرجان).

كما وأن جمعية الاتحاد قطعت شوطا كبيرا في توظيف المواطنين وبأعلى الرواتب والحوافز، ويظهر ذلك جليا في الفرع الرئيسي وفروعها الأخرى بأفواج المواطنين المعينين بدءا من الإدارة حتى الكاشيرات، وربما يتبادر إلى الذهن بان عمل الكاشير أو محاسب البضائع عمل جدا متواضع ولكنني مقتنعة وأعلم أن البداية للتعلم والوقوف على الشيء لهؤلاء الموظفين المواطنين لمن أراد التعلم .

فعلا يمكن أن يبدأ من هنا والباقي من المعارف واكتساب الخبرة فعليهم وبيدهم، وإلا لما أصبح جميع نظرائهم أصحاب شركات لنفس التخصص والمجال فيما بعد وذلك بتجارب من سبقهم. ولا يخفى على المتعاملين روح التعاون والاهتمام والألفة مع الموظفين وأنني هنا حين أخص بالاهتمام جمعية الاتحاد التعاونية فذلك بسبب احتكاكي وتعاملي الدائم معها وما أوردته في مقالي هذا من واقع خبرتي و تعايشي معها.

لعل من أسباب نجاح الجمعيات التعاونية في الدولة هو شعور المواطنين أنها تخصهم كونهم من المساهمين فيها، إضافة إلى أنها تدار بإدارة وطنية، وهناك نسبة أرباح سنوية ترصد لصالح المساهمين فيها بالإضافة إلى أسهم منحة يتم توزيعها غالبا كل سنة.

إن كان هناك أوجه قصور تعاني منها الجمعيات التعاونية وهي حقيقة واقعه، فإن الأهم و المهم هو دور هذه الجمعيات لحل صلب المشكلة التي أسست من أجلها وهي خدمة المستهلكين والمجتمع والتصدي لموجات الغلاء الفاحش المستشري في الدولة الذي لم يعهد أفراده هذا الوضع غير المنطقي منذ سنوات طويلة.

فلم لا يتم ضخ النقود المعدنية الصغيرة (فئة الفلس والخمسة والعشرة فلوس) للتداول بها في فروع الجمعيات التعاونية بعد أن تم استبعادها قصرا من أوجهة الحياة الاقتصادية للمستهلك في الدولة وزاد التداول والاهتمام وعدم التنازل عنها من قبل التاجر.

في حد اعتقادي هذه الخطوة تعد بادرة لتصحيح الثقافة الاستهلاكية لدى الأفراد، ولا أعتقد أن هناك إهمالاً لعملات رسمية كالإهمال الذي تلاقيه العملات المعدنية عندنا وسط استغراب المستهلكين القادمين من دول أخرى حين يقفون لاسترداد الفكه ولا يجدون ردا غير الابتسامة تارة والعبوس والإهمال تارة أخرى وفي أحسن الأحوال تقدم لهم العلكة !

إن للجمعيات التعاونية دوراً كبيراً إذا أنيط العمل به بالمعنى الحقيقي لمسماها كجمعية تعاونية ستساهم في تغيير الكثير من مفاهيم ومسلمات حركة السوق الاستهلاكية ومنظومتها في المجتمع الإماراتي، فهي فقط تستورد السلعة لتبيعها لتحقيق أرباح توزع في النهاية بآلية سنوية على مجلس الإدارة ومن ثم المساهمين دون ابتكار أساليب أخرى تبرز فيها الفكر التعاوني بشكل أوسع مستفيدة من تجارب دول أخرى.

ولعل هذا يدفعنا إلى عرض بعض جوانب وثمار تجربة التعاونيات الكويتية، كمثال طبقت فيه الفكر التعاوني برؤية تخدم المجتمع الكويتي وأفراده من المساهمين فيها. ففي دولة الكويت لا توجد منطقة أو شارع إلا به سوق رئيسي أو فرعي لجمعية تعاونية تحمل اسم المنطقة.

ويصل عدد فروع التعاونيات إلى 3382 فرعاً، وطبقاً لإحصائيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فإن عدد المساهمين في الجمعيات التعاونية الكويتية حتى سنة 2005 بلغ 443 ألفاً أي ما يقارب من نصف عدد المواطنين الكويتيين البالغ عددهم مليون نسمة تقريباً.

إن من أسباب نجاح الجمعيات التعاونية الكويتية رعاية الدولة لها بشكل مباشر وغير مباشر، حيث منعت الحكومة إقامة أي نشاط تجاري داخل المناطق السكنية النموذجية باستثناء الجمعيات التعاونية، وهذا بحد ذاته دعم كبير لها، وفي الوقت ذاته فإن الجمعيات التعاونية تقوم بدور مساند لدور الدولة فهي بدورها تعتمد عليها في أمور كثيرة فالجمعيات مثلا تقوم بتوزيع المواد التموينية اللازمة للمواطنين.

إن الجانب المشرق في عمل الجمعيات التعاونية الكويتية أن دورها لا يقتصر على بيع السلعة وتحقيق الأرباح السنوية فحسب وإنما يتعداه لتعاون مجتمعي فعال وخدمات وإسهامات لخدمة الدولة والمواطن الكويتي الذي منحها ثقته، فهي تقوم بإنفاق 25% من أرباحها السنوية على الخدمات المجتمعية لتنظيم رحلات الحج والعمرة ومساعدة المدارس والمستشفيات ببعض احتياجاتها الضرورية.

وتنظيم دورات الكمبيوتر والدروس الخصوصية وتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المنطقة كل ذلك بأسعار مخفضة، بالإضافة إلى تنظيم دورات رياضية للشباب وخصوصا في شهر رمضان المبارك، ومن المشروعات الرائدة قيام الجمعيات التعاونية بإنشاء مستشفى تخصصي حديث لأمراض القلب والأشعة التشخيصية بتكلفة تقدر بـ 15 مليون دينار كويتي ( 52 مليون دولار أميركي تقريباً).

ونحن حين نستعرض بعض ثمار الجمعيات التعاونية في دولة الكويت كمثال فإننا أيضاً نستعرض في الوقت نفسه واقع ثقافة استهلاكية في دولة الإمارات تتطلب الوعي بالحقوق والواجبات في كافة المجالات فهذا الوعي ضروري لحماية أفراده ودعوة لتغيير النمط الاستهلاكي السائد فيه بما يخدم المجتمع والمستهلك بفكر وتطبيق جديد.

كاتبة إماراتية

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon