مخرجة فلسطينية مرشحة لجائزة الأوسكار

صورة

لا تصنع المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر الأفلام فقط، بل تُطور وتُدرب مواهب المستقبل. وهي واحدة من المُخرجات العربيات القلائل اللاتي نجحن في طرق أبواب الأوسكار.

أصبحت المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، المولودة بمدينة بيت لحم، من رواد السينما العربية بعد أن شاركت بفيلمها القصير «كأننا عشرون مستحيلاً» في مهرجان كان السينمائي، وتعود آن ماري إلى الشاشة الكبيرة مرة أخرى هذا العام بقصة أخرى من موطنها.

يُصور فيلم «واجب»، الذي يُعد الفيلم الروائي الثالث للكاتبة والمخرجة ورائدة الأعمال والشاعرة آن ماري جاسر، العلاقة المتوترة لكن الكوميدية بين أب وابنه في مدينة الناصرة الفلسطينية قبل حفل زفاف عائلي.

وقالت آن ماري، التي تكون أهداف أفلامها إنسانية عادةً: «تتمثل الأفلام بالنسبة لي في سرد القصص، وأن تكون صادقاً، واستكشاف الجوانب المظلمة من حياة البشر، وطرح التساؤلات».

وأضافت قائلة: «نظراً لتصوير العديد من أفلامي في موطني، أظن أن أي شخص لا يعلم أي شيء عن فلسطين يمكنه إيجاد شيء ما لم يعلمه من قبل، أو ربما يجد جزءاً من القصة يخاطبه، لكن هل ينبغي أن تروج السينما لقضيةٍ ما؟ لا، لا أعتقد ذلك».

وتتناقض هذه الفلسفة الإخراجية مع أنشطة آن ماري الدؤوبة بعيداً عن الشاشة لدعم السينما العربية. ففي عام 1997، شاركت آن ماري في تأسيس شركة «Philistine Films»- وهي شركة مستقلة تقع مكاتبها في فلسطين والأردن وتقوم بتحميض الأفلام وتشارك في إنتاج أفلام روائية ووثائقية مستقلة. كما تنظم الشركة ورش عمل في الإخراج وكتابة السيناريو وتدريب الطاقم الفني.

وقالت آن ماري: «عندما بدأت إخراج الأفلام، وجدت نفسي أبحث عن المساعدة والنُصح وأنظر إلى المخرجين الذين أُعجبت بهم، فقط لأطرح أسئلة بسيطة. ماذا أفعل في عقدي الأول؟ كيف أحافظ على حقوقي؟ ماذا كان يعني أن أكون كاتبة ومخرجة في مشروع عملٍ ما؟ شعرت بالوحدة خلال تلك السنوات الأولى، وتعهدت بإنشاء كيانٍ ما يمكنه تقديم الدعم للمشروعات والأصوات المستقلة التي تسبح ضد التيار السائد».

وأضافت قائلةً: «كانت الفكرة الرئيسية هي إنشاء اسم ومكان، حيث يمكننا فعل ما أردنا فعله، ومجتمع حيث يلتقي الأشخاص المعنيون ببعضهم البعض ويساعدون بعضهم البعض».

مشروع آخر وهو مهرجان الفيلم الفلسطيني «أحلام أمة»، والذي كان مهرجاناً سينمائياً متنقلاً بين عامي 2001 و2006 لعرض الأفلام الفلسطينية من خلال الذهاب من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة لعرض أفلام محلية الصُنع.

وقالت آن ماري: «كانت هناك العديد من الأفلام الجديدة المثيرة للإعجاب لعدد من المخرجين الشباب، وأعمال تجريبية ووثائقية وقصص قصيرة، ولكن نظراً لصعوبة التوزيع، لم تُر هذه الأفلام».

وأضافت قائلةً: «وبما أن الفلسطينيين لا يتمتعون بحرية التنقل، ولا يُسمح لهم بالذهاب إلى أي مكان، قررنا العمل على إحضار هذه الأفلام إليهم، وخاصةً الأفلام من المدن والقرى الأخرى في فلسطين».

والآن بعد عودتها إلى فلسطين، تسعى آن ماري إلى استعادة منزل أسرتها الموروث عن أجدادها لتحويله إلى مركز ثقافي للفنون والبحوث.

قضت آن ماري طفولتها بين العاصمة السعودية الرياض ومدينة بيت لحم الفلسطينية، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عملت في المسرح، إذ عملت أولاً في التصميم المسرحي ثم في كتابة وإخراج المسرحيات. وبدأت مسيرة آن ماري في السينما كمساعدة إنتاج، وعملت أيضاً مونتيرة (ممنتجة) ومصورة، وحصلت لاحقاً على شهادة في الإخراج السينمائي من جامعة كولومبيا.

وقالت آن ماري، التي عاشت في 16 مدينة: «كنت مهتمة دائماً بالفنون منذ أن كنت طفلة. كنت محاطة بالعديد من الثقافات، وتنقلت بين العديد من مناطق العالم، وحظيت بعائلة قوية، وأدركت في سن صغيرة للغاية ماذا يعني أن تكون مهمّشاً. تسري الكتابة وحب السفر والتجوال في دمي أيضاً؛ ولذلك اتجهت إلى الفنون».

وبعد العودة إلى وطنها فلسطين، قضت آن ماري عاماً كاملاً في تمويل فيلمها «كأننا عشرون مستحيلاً» من خلال التبرعات الصغيرة ودعمٍ من مؤسسة جيروم الأميركية. ويطرح الفيلم، الذي صُور في فلسطين عام 2001، بامتعاض تساؤلات عن المسؤولية الفنية تجاه الوطن، حيث يتناول قصة طاقم عمل فيلم محلي يجتاز الحواجز المختلفة التي يقيمها الاحتلال الإسرائيلي.

وقالت آن ماري: «في الواقع كانت الأوضاع في فلسطين متوترة للغاية. أتذكر الشهور التي قضيناها في التحميض ومرحلة ما قبل الإنتاج ونحن نتعرض لهجوم الطائرات، ونختبئ في الطوابق السفلية، ونجتاز نقاط تفتيش لا نهاية لها».

ثم جاء اختيار مهرجان كان السينمائي لفيلم «كأننا عشرون مستحيلاً»، ليصبح أول فيلم عربي قصير يتم اختياره بشكل رسمي في المهرجان السينمائي الأشهر في العالم.

وقالت ماري: «كان الأمر غير متوقع بالمرة. أخرجت هذا الفيلم وأنا طالبة في سنة التخرج وأخبرني أحد أساتذتي أنه كان مضيعةً للوقت، وأنه كان ينبغي لي أن أحرق السيناريو توفيراً لوقتي. ثم جاء خطاب مهرجان كان، ليتغير عالمي كله بعد ذلك».

استغرقت آن ماري ست سنوات أخرى لتمويل فيلمها الروائي الأول «ملح هذا البحر» الذي طرحته عام 2008، والذي يعد أول فيلم روائي يتم إخراجه بواسطة امرأة فلسطينية، وواجهت أفلامها التالية صعوبات تمويلية مماثلة رغم فوزها بعددٍ من الجوائز.

وقالت آن ماري: «من المعروف أن المخرجين الذكور يُمولون بسهولة أكبر من الإناث، وهذا يؤثر كثيراً على صناع القرار والجهات العليا. إنه أمر شاق للغاية هناك، واستطعت أن أمتلك قدرة على تحمل الهجوم والانتقادات. ولكن كل فيلم يُعد بمثابة كفاح لتحقيق بداية جيدة».

وتابعت آن ماري حديثها قائلةً: «قدمت المهرجانات والتمويلات مثل تلك في دبي وأبوظبي، والصندوق العربي للثقافة والفنون، اختلافاً كبيراً في السينما العربية. إذا شاهدت الأفلام العربية خلال السنوات الخمس الماضية، ستجدها كلها تقريباً تحمل شعارات تلك الأماكن. تغيرت الأمور بالفعل».

وتكون غالبية أفراد طاقم عمل أفلام آن ماري من العرب دائماً، في حين كان كل منتجي فيلم «عندما رأيتك» فلسطينيين.

وقالت آن ماري: «اعتقدت دائماً أننا في حاجة إلى النظر إلى مجتمعاتنا لدعمها، ولحسن الحظ يرى المزيد والمزيد من الناس قيمة ذلك في السينما وفي القصص المستقلة».

وأيّاً كان الداعمون، يبدو أن فيلم «واجب» حقق نجاحاً تجارياً ونال استحسان النقاد أيضاً، إذ شارك الفيلم في مهرجانات عدةٍ في جميع أنحاء العالم، ومنها مهرجان تورنتو ومهرجان لندن ومهرجان بوسان ومهرجان دبي، قبل طرحه في دور العرض العام المقبل حين سيمثل الفيلم فلسطين في حفل توزيع جوائز الأوسكار ضمن المرشحين لحصد جائزة أفضل فيلم أجنبي.

ورشُح فيلما آن ماري الآخران أيضاً لجائزة الأوسكار، وقالت آن ماري إنه كان من المستحيل أن تختار الفيلم المفضل لديها من بين أكثر من 16 فيلماً كتبته أو أخرجته أو أنتجته.

وأضافت آن ماري قائلةً: «لا يمكنني أن أخبرك أي فيلم أفتخر به أكثر لأنها كلها مختلفة للغاية، ولكل منها ظروفه الخاصة. كل فيلم يُعد بمثابة معجزة بالنسبة لي وكل منها صُنع بعد الكثير من الكفاح والكثير من الحب، ولم يكن أي منها سهلاً على الإطلاق».

* باحث اجتماعي

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon