شركة أردنية تسعى لمساعدة 70 مليون أصم

صورة

مع استعداد أميركا لإعصار إيرما في سبتمبر 2017، قدم مركز عمليات الطوارئ في ولاية فلوريدا، إحاطة للسكان لتحذيرهم وتقديم المشورة لهم بشأن المخاطر القادمة. إلا أن مترجم لغة الإشارة واجه صعوبة في إبلاغ الرسالة، فالمترجم الهاوي، الذي يعمل منقذاً، وله أخ أصم، ترجم الرسالة إلى المشاهدين بلغة الإشارة على أنها: «تريد البيتزا، يجب أن، وحش دب» بدلاً من: «نود أن نطمئن على سلامتكم، وملاجئنا مفتوحة لاستقبالكم».

وهذا يعيد للأذهان ما وقع في مراسم تأبين نيلسون مانديلا في عام 2013، حين طغى إخفاق مترجم لغة الإشارة على الحدث المهيب.

قد تبدو مثل هذه المواقف فكاهية، ولكنها تُعدّ بالنسبة لسكان العالم من الصم وضعاف السمع، تذكيراً بالجهل والتهميش اللذين يعانون منهما. ويمكن أن تكون العواقب ضارة، بل وخطيرة أحياناً.

تأمل الشركة الأردنية الناشئة «مايند روكيتس Mind Rockets Inc» في حل هذه المشكلة عن طريق التقنية التي توفرها. فما بدأ مشروعاً مدرسياً لمحمود دراوشه تطور بخطى حثيثة، ليكون إحدى أكبر المؤسسات الاجتماعية الواعدة في الشرق الأوسط.

تنتج «مايند روكيتس» تقنيات مساعدة للصم وضعاف السمع، وبدأت قبل خمس سنوات نشاطها بتطبيق «ميميكس Mimix»، وهو تطبيق يترجم اللغة الإنجليزية المنطوقة والمكتوبة إلى لغة الإشارة الأميركية، ويعمل عن طريق عرض ترجمة الإشارة من خلال شخصية كرتونية ثلاثية الأبعاد (أفاتار). وقد حمَّل السيد محمود دراوشه، التطبيق على متجري تطبيقات كل من أبل وأندرويد، عندما كان لا يزال في المدرسة الثانوية، ومنذ ذلك الحين، جذب أكثر من 72,000 مستخدم.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، خمسة في المئة من سكان العالم يعانون فقدان السمع المعيق، أي أكثر من 360 مليون شخص. كما يبلغ عدد الصم في المملكة العربية السعودية 720,000، وهي أعلى نسبة مسجلة في العالم العربي، بينما يبلغ عددهم في الأردن 40,000 شخص.

من خلال التطبيق، تواصل مستثمر مجهول مع السيد محمود دراوشه، وقدم له استثماراً تأسيسياً لتطوير نفس التقنية لمستخدمي اللغة العربية. وأصبح هذا الاستثمار التأسيسي حافزاً للسيد محمود دراوشه لإطلاق شركة «مايند روكيتس» في عام 2016.

انطلقت النسخة العربية من هذه التقنية، باسم تُرجمان، في العام الماضي على متجر تطبيقات أندرويد، ويستخدمه حالياً أكثر من 10,000 مستخدم، معظمهم من مصر والمملكة العربية السعودية.

طُوِّر تطبيق تُرجمان في البداية باستخدام لغة الإشارة العربية الموحَّدة، وهي المقابلة للغة العربية الفصحى الحديثة، كما يوفِّر التطبيق لغة الإشارة الإقليمية للهجات دول مجلس التعاون الخليجي وبلاد الشام.

بوسع مستخدمي التطبيق، التحدث أو كتابة رسالة، حيث يترجمها الأفاتار إلى لغة الإشارة في الوقت الحقيقي. كما يمكن إرسال الرسالة كمقطع فيديو إلى تطبيقات المراسلة، حتى يمكن للمستخدمين من الصم التواصل بحرية. وقد طورَّت «مايند روكيتس» أيضاً لوحة مفاتيح خاصة بلغة الإشارة، تترجم رموز لغة الإشارة إلى نص مكتوب.

وفقاً للاتحاد العالمي للصم، فإن 80 % من الصم في العالم أميون لا يعرفون القراءة أو الكتابة، وبالتالي، لن يكفيهم تقديم الترجمة المكتوبة على الشاشة.

وفي هذا الصدد، علق السيد مالك زعيتر، المسؤول التنفيذي لتطوير الأعمال في شركة «مايند روكيتس» قائلاً: «إن الصم مهمشون للغاية، ولا يتلقى منهم تعليمه بلغة الإشارة سوى نسبة تتراوح ما بين واحد إلى اثنين في المئة فقط. إنها لغتهم الأم، وينبغي أن يتلقوا تعليمهم بها».

لكن هذا الحق من المستبعد أن يتأتى في المستقبل القريب. فوفقاً لمؤسسة «نايل دي ماركو»، وهي منظمة غير ربحية، مقرها الولايات المتحدة، وتعمل على نشر التعليم بلغة الإشارة للأطفال الصم، فإن 25 % فقط من آباء الأطفال الذين يعانون الصمم، يستخدمون لغة الإشارة. وإذا كان 90 % من الصم يولدون لآباء لا يعانون الصمم، ولا يملكون سوى القليل من المعرفة عن لغة الإشارة، أو لا يملكون أي معرفة عنها على الإطلاق، فإن هؤلاء الأطفال الصم سيكونون أكثر عرضة للحرمان اللغوي، ما سيزيد من تهميشهم عن المجتمع، ويمنعهم من تحقيق إمكاناتهم.

لذا، فإن البديل السانح اليوم، هو الاستفادة من التقنية لتوفير لغة الإشارة لكل أنواع المنصات والوسائط لتعليم الصم وتحسين حياتهم.

في البداية، طبقت «مايند روكيتس» نموذج الأعمال «فريميوم»، حيث كان القاموس الأساسي متاحاً مجاناً، بينما كان استخدام القاموس المُوسَّع بمقابل مادي، ثم قرر فريق «مايند روكيتس»، إتاحة الخدمة بكاملها مجاناً للمستخدم النهائي.

يقول مالك زعيتر: «لقد وفرنا كل شيء مجاناً، بعد أن أدركنا أن للتقنية مفعولاً كبيراً على المستوى المؤسسي. فيمكننا دمج الأفاتار في أي مكان، بما في ذلك شركات الطيران والسفارات والبنوك وأجهزة الصراف الآلي. وقررنا أنه ينبغي أن يكون ذلك هو نموذج أعمالنا الرئيس. فنحن لا نريد أن يتحمل مجتمع الصم كلفةً، بل يجب أن نأخذ المال من الشركات كي تكون خدماتها في متناول الصم».

فاز الفريق في مسابقة «كيه ستارت أب جراند تشالينج K Start Up Grand Challenge»، وهي مسابقة ضخمة، أطلقتها حكومة كوريا الجنوبية لتشجيع الشركات الناشئة والشركات الصغيرة على الابتكار. ومن بين أكثر من 4,000 تطبيق، احتلت «مايند روكيتس» المرتبة الأولى، وفازت بمكان في برنامج مسرعة الأعمال «بانغيو ستارت أب كامباس Pangyo Startup Campus» في سيول من أجل تطوير أعمالها.

بدأ الفريق تطوير لغة الإشارة الكورية، واستغلَّ الفرصة لتوسيع شبكة معارفه.

لكن قبل السفر إلى كوريا، بدأ فريق «مايند روكيتس» عملية تقديم طلبه للمشاركة في «سيد ستارز وورلد Seedstars World»، وهي مسابقة للشركات الناشئة، حيث يتم اختيار أفضل الشركات من الأسواق الناشئة لتقديمها في قمة عالمية، والتي عُقدت في سويسرا في شهر أبريل من هذا العام. ومن أصل 70 شركة ناشئة سافرت إلى سويسرا، فازت «مايند روكيتس» بجائزة التصويت العام.

صرَّح مالك زعيتر: «فتحت مسابقة «سيد ستارز» لنا أبواباً واسعة عززت من انتشارنا. فبعدها ذهبنا إلى المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة، وظهرنا في مجلة «بي سي»، وكان لذلك دوي عظيم، لأن فيسبوك تواصلت معنا».

كانت «مايند روكيتس» واحدة من الشركات الناشئة القلائل المختارة للاجتماع مع مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، الذي كان مهتماً برسالة الشركة وتقنيتها.

أضاف مالك زعيتر: «لقد اختار مجموعة من الشركات الناشئة الواعدة لمناقشة إمكانات التعاون، لذلك نحن ما زلنا نتواصل معهم».

أحدث منتج تطرحه الشركة الناشئة، هو أفاتار يقدم لغة الإشارة لصفحات الويب. وبما أن قاسماً كبيراً من مجتمع الصم في العالم أميون، فإنهم لا يزالون بحاجة إلى لغة الإشارة للاستفادة الكاملة من الإنترنت. «لقد اكتشفنا من خلال التطبيق والتقنية،أنهم يتعلمون كيفية القراءة، لذلك، فإن هناك إمكانات هائلة لتعليمهم»، كما أوضح مالك زعيتر.

تم إطلاق هذه التقنية بعدد قليل من المواقع في الأردن، بما في ذلك «كرييتف إنفستمنتس Creative Investments»، التي تملك سلسلة من المواقع المتعلقة بالطعام وتنظيم الزفاف والمناسبات.

يعلِّق مالك زعيتر: «إحدى المشاكل التي نواجهها، هي أن العديد من الشركات لا ترى أن توفير لغة الإشارة لزاماً عليها. ولكن الأمر يتعلق بالوصول إلى الأشخاص المناسبين، حيث إن هناك أشخاصاً يريدون ظهور مثل هذه التقنية ليستطيعوا دعمها».

تجري الشركة محادثات مع «أصحاب الهمم» في دولة الإمارات العربية المتحدة، في محاولة لزيادة انتشار تقنيتها بينهم، وتعمل حالياً على تحسين تعبيرات الوجه في شخصيات الأفاتار التي تشكل «جزءاً ضخماً من لغة الإشارة»، بحسب مالك زعيتر.

في الوقت الحاضر، تسعى «مايند روكيتس» لتوظيف المزيد من الصم في فريقها لضمان مشاركتهم في كل مرحلة من مراحل التطوير. كما تأمل في جذب المزيد من الاستثمارات في محاولة لتعزيز تقنيتها، وتحسين جودة حياة الصم في كل أنحاء العالم، وتمكينهم من الحصول على مستوى من الاستقلالية.

وإن لمن دواعي الفخر، أن يتم ابتكار حل لمشاكل يعاني منها الصم حول العالم هنا في الشرق الأوسط.

* باحثة اجتماعية

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon