مضاعفة استثمارات المدن

صورة

أصبح العالم متمدناً بصورة متزايدة، حيث أصبح الكثير من الناس يفضلون العيش في المدن أكثر من السابق. والمشكلة هي أن معظم المناطق الحضرية غير مستعدة لإدارة هذا التدفق على المدن.

وتواجه المدن في جميع أنحاء العالم أزمة استثمارية مخيفة لا تجعل منها مكاناً ملائماً للعيش. وقد تم تأخير صيانة الهياكل الأساسية الاجتماعية والاقتصادية الحيوية، ناهيك عن التخطيط الإنمائي، بسبب عجز في الميزانية. ونظراً لكون الموارد المالية للحكومات المحلية مثقلة بالتوسع المستمر لالتزامات الإنفاق، فقد أصبحت الموارد العامة في العديد من المدن مقيدة بشدة.

لا يجب أن تسير الأمور بهذا الشكل. حتى المدن المتعثرة تمتلك مجموعة من الأصول التجارية التي يمكن استخدامها لعكس هذه الظاهرة. إن كشف القيمة العامة للعقارات ذات الاستخدام الضعيف، على سبيل المثال، أو تحقيق الدخل من وسائل النقل وأصول المرافق، يمكن بل ينبغي أن يصبح عبارة عن استراتيجيات حضرية أساسية.

وهذا لا يتطلب الخصخصة، بل بالأحرى يمكن للأصول أن تسفر عن عائدات معقولة، وتحرر المزيد من الموارد المتاحة حالياً في معظم المدن. في الواقع، من خلال الإدارة الذكية للأصول، يمكن للمدن مضاعفة استثماراتها دون الحاجة إلى رفع الضرائب أو خفض الإنفاق.

وعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، أدت ملكية الحكومة للممتلكات التجارية الواسعة إلى نقاش مستقطب، وخاصة في أوروبا، والولايات المتحدة في الفترة الأخيرة. ولكن الملكية الخاصة مقابل الملكية العامة هو انقسام كاذب. والأهم من ذلك يكمن في جودة الإدارة المهنية لمثل هذه الأصول التي تدعم الاقتصادات المحلية.

إن إعداد ميزانية دقيقة - رغم أن المعرفة، رغم أهميتها، نادرة بشكل مفزع في معظم المدن - تعد خطوة حاسمة نحو تبني نهج يركز على الإدارة. ومع وجود قائمة الأصول، وفهم صحيح لقيمتها السوقية، يستحسن أن يأخذ دافعو الضرائب والسياسيين والمستثمرين العواقب الطويلة الأجل للقرارات السياسية بعين الاعتبار. ويمكنهم أيضاً اتخاذ خيارات أفضل بشأن جمع العائدات، وتجنب الطرق التقليدية لزيادة الضرائب، والإنفاق الممول من الديون، أو التقشف.

ولأسباب مختلفة، لا تقوم المدن عموماً بتقييم القيمة السوقية لأصولها الاقتصادية. مثلاً مدينة مثل بوسطن، التي، للوهلة الأولى، لا يبدو أنها غنية، تقلل بياناتها المالية من القيمة الحقيقية للأصول العامة، حيث يبلغ مجموع أصولها 3.8 مليارات دولار، منها 1.4 مليار دولار من العقارات. وهذا أقل بقليل من التزاماتها البالغة 4.6 مليارات دولار في عام 2015.

ولكن، مثل معظم المدن، تدلي بوسطن بأصولها في القيمة الدفترية، والتي ترتبط بالتكلفة التاريخية. إذا تم الإبلاغ عن الحيازات باستخدام المعايير الدولية للتقارير المالية، والتي تتطلب استخدام القيمة السوقية للأصول، فإن قيمة ممتلكات بوسطن أكثر بكثير مما هو مذكور حالياً. وبعبارة أخرى، فإن المدينة تشتغل دون فهم ثروتها الخفية.

إن هذه الثروة جد ضخمة. يشير تقدير القيمة السوقية لملف العقارات في بوسطن إلى أن العقارات في المدينة وحدها تقدر بنحو 55 مليار دولار. ولكن بسبب عدم إظهار قادة بوسطن لهذه القيمة، فإنهم لن يتمكنوا من قياس تكلفة ترك هذه الأصول دون إدارة. وإذا تمكنوا من القيام بذلك، فسيدركون الفوائد التي يمكن اكتسابها من خلال تطوير هذه الأصول بذكاء أكبر.

وبعد إبراز القيمة السوقية لأصول البلدية، فإن الخطوة التالية نحو إدارة الأصول السليمة تكمن في فهم العائدات التي تحققها المدينة من الإيرادات وارتفاع القيم السوقية لأصولها. وهذا أمر بالغ الأهمية لمقارنة جميع خيارات الاستثمار، ولكن أيضاً لتحديد ما إذا كان الأداء مرضياً، ولإثبات أن ثروات أصحاب المصلحة تدار بطريقة مسؤولة.

باستخدام بوسطن كمثال مرة أخرى، دعونا نفترض أن المدينة يمكن أن تحقق عائداً بنسبة 3٪ على أصولها التجارية مع إدارة مهنية ومستقلة سياسياً. إن العائد البسيط البالغ 3٪ على محفظة استثمارية بقيمة 55 مليار دولار سيصل إلى دخل يتجاوز إجمالي إيراداته الحالية، ويزيد كثيراً عن خطة رأس المال الحالية لبوسطن. وحتى مع عائد بسيط، يمكن لبوسطن أن تضاعف استثمارات البنية التحتية.

بوسطن ليست بأي حال من الأحوال استثنائية. بل على العكس من ذلك، تتقاسم نهجها للتقييم التاريخي مدن أخرى في جميع أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، فإن الثروة العامة حبيسة العقارات وغيرها من الأصول التجارية غير المصنفة. وأفضل طريقة للمضي قدماً هي توحيد الأصول المملوكة للقطاع العام كأداة استثمارية مشتركة أطلقنا عليها ستيفان فولستر وأنا «صندوق الثروة الحضرية».

وستتم إدارة الصندوق على أساس تجاري يتسم بالشفافية والمسؤولية، ويسترشد بولاية المدينة بل يوجهها موظفون محترفون يعملون على إبقائها خالية من التأثير السياسي.

هذا يبدو تحدياً كبيراً، لكن يمكن القيام به. هافنسيتي غمب هامبورغ، وأجزاء من كوبنهاغن التي تم تنشيطها من قبل شركة تنمية المدينة والموانئ، هي مجرد أمثلة من المناطق الحضرية التي استخدمت هذا النوع من آلية التنمية.

ولم تؤد هذه الجهود إلى زيادة كمية المساكن السكنية فحسب، بل مولت البنية التحتية الحيوية مثل مترو كوبنهاغن والمدارس والجامعات. وفي هامبورغ، تم تمويل قاعة إلبا السيمفونية التي تم افتتاحها أخيراً من خلال شركة قابضة مملوكة للحكومة.

ومن شأن إدارة الأصول في المدن أن تساعد القادة المحليين على تعزيز اقتصاداتهم، وتمويل البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية، ووضع استراتيجيات لمشاريع حيوية ومبتكرات متعددة الاستخدامات. ومن شأن تحسين إدارة أصول المدينة أن يساعد أيضاً في تغطية تكاليف الصيانة المطلوبة دون التنافس مع الميزانيات الحكومية.

مما يترك مزيداً من الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم والمبادرات الاجتماعية الأخرى. ومع نمو سكان المدن، يجب أن يصبح مخططو المدن أكثر مهارة في وضع الميزانيات على المدى الطويل. وليس هناك طريقة أفضل للقيام بذلك من استخدام الأصول الموجودة بالفعل.

* المدير السابق في وزارة الصناعة السويدية

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon