خيارات واقعية أمام منطقة اليورو

صورة

تبدو الأجواء السياسية في كل أنحاء أوروبا بعد عام عاصف، في سبيلها للاستقرار. ورغم فوز حزب البديل من أجل ألمانيا بنحو 13% من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية التي شهدتها ألمانيا مؤخراً، فإن ذلك لا يمثل تهديداً حقيقياً لزعامة المستشارة أنغيلا ميركل. وفي فرنسا ــ التي تمثل الركن الآخر للمشروع الأوروبي ــ يستطيع الرئيس إيمانويل ماكرون الاعتماد على أغلبية برلمانية صلبة. وبرغم الغموض المحيط بتفاصيل الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، فإن إمكانية تجاهل الاتحاد الأوروبي لبريطانيا كعضو في أي خطط يضعها أمر مشكوك فيه إلى حد كبير.

لذا يتركز السؤال الآن على الكيفية التي سيتحرك بها قُدماً الاتحاد الأوروبي، وبالأخص منطقة اليورو. وهنا تبرز احتمالات ثلاثة.

الخيار الأول هو «اتحاد أكثر وحدة» بحسب وصف رئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر في خطابه بشأن حالة الاتحاد الشهر الماضي، حيث تميل رؤية يونكر إلى رفض فكرة أوروبا متعددة السرعات، وتفضيل السير بخطوات متسقة وموحدة من جانب كل أعضاء الاتحاد الأوروبي. وقد يعني هذا كبداية توسيع نطاق منطقة شنجن للسفر والتنقل الحر عبر الحدود ليشمل بلغاريا ورومانيا. كذلك دعا يونكر لإحراز تقدم صوب إنشاء اتحاد أوروبي للمعايير الاجتماعية يجسد فهماً مشتركاً للحق في الرعاية الاجتماعية في السوق الموحدة.

وعن اليورو، أكد يونكر أن الهدف منه أن يكون عملة لأوروبا بأسرها، لا لدول بعينها فقط. وبناء على هذا، ينبغي للاتحاد الأوروبي مواصلة المساعي لإنشاء اتحاد مصرفي كامل تكون لوائحه المصرفية وقواعد الإشراف عليه ثابتة وموحدة في كل الدول الأعضاء. كما ينبغي أن يصبح مفوض الشؤون الاقتصادية والمالية وزير مالية أوروبا، وأن تصير آلية الاستقرار الأوروبية بمثابة صندوق النقد الأوروبي.

لو طرحت مثل هذه النزعة التكاملية «المتشددة» قبل عام لافتقدت المصداقية، فلم تكن بريطانيا لتقبل بها على أية حال. لكن مع تحول الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي إلى شيء مؤكد حسبما يبدو، فقد اكتسبت رؤية يونكر بعض المصداقية.

لكن تناول يونكر «أحادي السرعة» لقضية التكامل يظل مثار جدال كبير. ومن ثمّ فقد طرح ماكرون رؤيته الطموحة لأوروبا، والتي تعكس في طياتها كثيراً من مقترحات يونكر، لكنها تسمح في ظاهرها بتباين أكبر داخل الاتحاد الأوروبي، ولو على المدى المتوسط على الأقل.

فمثلاً إذا لم تكن بولندا راغبة في تبني عملة اليوو، لا ينبغي إجبارها على فعل ذلك، كما لا ينبغي أن يمنع هذا القرار دول منطقة اليورو الأخرى من التحرك قدماً نحو التكامل. لذا يريد ماكرون برلماناً منفصلاً لمنطقة اليورو للبت في الأمور التي لا تتعلق بكل أعضاء البرلمان الأوروبي، حتى لا تمنع التباينات في مستوى التكامل الذي تسعى إليه الدول اليوم أحداً ــ أو الجميع ــ من الانضمام في النهاية إلى «جوهر» الاتحاد الأوروبي المتكامل بشكل عميق ومستقر. أما الطريق الثالث أمام منطقة اليورو للمضي قدماً ــ وهو الأرجح في ما يبدو ــ فيتمثل في بقاء الأمور على حالها. فقد خمدت الأزمة الاقتصادية التي لطالما فجرت الدعوات لتكامل أكبر ــ وفي بعض الحالات لتفتت أكبر ــ مع تجاوز نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي اثنين بالمئة، وانخفاض مستوى البطالة بشكل كبير. حتى إن اليونان ــ الدولة الوحيدة التي لا تزال في وضع الأزمة إلى حد ما ــ تواصل اجتهاداتها لإدارة الأزمة والخروج منها.

في هذا السياق، ربما يقرر صانعو السياسات، كما فعلوا من قبل مرات كثيرة، تأجيل الإصلاحات الطموحة لمنطقة اليورو، والاكتفاء بالإصلاحات التي استُهدفت خلال الأزمة، حيث سيتيح لهم ذلك مساحة أكبر للتركيز على مجالات أخرى قد تتطلب اهتماماً أسرع في السياق الحالي، مثل الطاقة، والتنظيم الرقمي، والهجرة. لكن هناك مخاطر شديدة إذا سلك صانعو السياسات هذا الطريق فعلاً. نعم، نشهد بأن منطقة اليورو تؤدي وظيفتها، وبأن الإصلاحات الرئيسة في المجالات الأخرى مهمة، إلا أن الاتحاد النقدي لا يزال يعاني من خلل جوهري، وهو: غياب آليات قادرة على منع صور التباين في التكلفة عبر الدول التي فقدت القدرة على الإقدام على تعديل سعر الصرف.

وقد تتمثل إحدى هذه الآليات في إتاحة قدر أكبر من حرية انتقال العمال في قطاع الخدمات. لكن حتى لو اتفقت دول منطقة اليورو على تحرير أكبر لسوق العمل، قد يواجه العمال عقبات ثقافية ولغوية كبيرة. لكن على أية حال، في غياب آلية كهذه، قد تفضي التوجهات التي بلغت أوجها خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة إلى أزمة أخرى.

بعد تجربة الأزمة، فمن المتوقع حال بدء ظهور علامات تنامي تباينات التكلفة مستقبلاً، أن ترتفع فروق أسعار الصرف بين دول منطقة اليورو بوتيرة أسرع كثيراً عما كانت عليه قبل الأزمة الأخيرة، لتعطي إشارة تحذيرية مبكرة. ولو أخذنا في الاعتبار بقاء جزء كبير من عبء الديون المتراكمة وإنفاق الكثير من ذخيرة الإنقاذ، فإن أي صدمة أخرى قد تكون مدمرة. وكما نقل (الصحافي البريطاني) مارتن ولف عن الاقتصادي آدم ليريك، يقترح الأخير نظاماً يلزم المنتفعين من التغيرات المفاجئة في فروق أسعار الصرف بتحويل نصف مكاسبهم إلى «حساب لتثبيت تكاليف التمويل» ليُصرف مرة أخرى للمنتفعين عندما تهدأ صدمة أسعار الصرف. لكن نظاماً كهذا يستوجب اتفاقاً بين أعضاء منطقة اليورو، كأي إصلاحات أخرى في منطقة اليورو.

وبما أن ميركل لا تزال في مرحلة تشكيل حكومتها الائتلافية الجديدة، يستحيل الجزم بالطريقة التي ستتبعها أوروبا في التعاطي مع قضية التكامل في السنوات المقبلة. لكن لو وضعنا في الاعتبار احتمالية أن يشمل ائتلافها الديمقراطيين الأحرار المتشككين في أوروبا، والخضر المؤيدين للتكامل، وبينهما أتباع حزبها من الديمقراطيين المسيحيين، فإن السعي السريع وراء الأهداف الطموحة لتكامل يشمل أوروبا بأسرها أمر مستبعد.

ثمة خيار أكثر واقعية يتمثل في جهد متعدد السرعات تستطيع دول منطقة اليورو من خلاله التحرك قدماً، مع السماح للآخرين بالانتظار. بالطبع لن تكون النتيجة مثالية، لكنها ستكون أفضل ــ بل وأفضل كثيراً ــ من الوضع الحالي.

* وزير الشؤون الاقتصادية في تركيا سابقاً، والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس مؤسسة بروكنغز.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon