الولايات المتحدة ملزمة بالتعاون مع بكين ونيودلهي لتحقيق خير البشرية

2030.. أميركا والصين والهند وعالم جديد شجاع

في عام 1932، أصدر المبدع البريطاني الدوس هكسلي (1884- 1963)، روايته الشهيرة بعنوان «عالم شجاع جديد». ورغم أهمية العمل إلا أن الجمهور تلقاه في ذلك الزمان بقدر من التحفظ، بل الرفض، بسبب ما رآه المحللون والقارئون من رؤى ترفض الأوضاع الاجتماعية وتعارض نواميس الأخلاق المتعارف عليها، وهذا هو السبب في أن ظلت رواية هكسلي تندرج ضمن التصنيف التالي: إنها ديستوبيا.. وذلك على عكس «اليوتوبيا».

وبمعنى أنها عمل كابوسي يصف المدينة السوداء الغادرة بقدر ما أن اليوتوبيا تصف ـ كما هو معروف - المدينة المثالية الفاضلة.

لكن هاهي الكاتبة الأميركية أنجا مانيويل تطالع قراءها في الآونة الأخيرة، بأحدث أعمالها الفكرية تحت العنوان التالي: "هذا العالم.. الشجاع.. الجديد".

وقبل أن يتبادر إلى أذهاننا كقارئين، عاصفة الكوابيس التي سبق وأطلقتها رواية الدوس هكسلي -كما أسلفنا- منذ أكثر من 8 عقود، إلا أن مؤلفة كتابنا تبادر إلى عنوان فرعي يتصدر بدوره غلاف هذا الكتاب، ويضم أسماء دول ثلاث هي على وجه التحديد: الهند.. الصين.. والولايات المتحدة الأميركية.

والإشارة هنا تومئ للقارئ إلى أن الكتاب يستخدم نمطاً من أنماط الاجتهاد السياسي وتحليل أبعاد الحاضر أملاً في رسم تصوّر لآفاق المستقبل، خاصة وأن مؤلفتنا تصدر عن خبرة طويلة في مجال العمل السياسي والدبلوماسي في الولايات المتحدة، فضلاً عن مشاركتها في إنشاء مؤسسة استشارية رفيعة مع عدد مرموق من ساسة أميركا، وعلى رأسهم كل من كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة، وروبرت غيتس وزير الدفاع السابق.

ويأتي الكتاب ليعيد إلى ذاكرتنا كتاباً مهماً آخر سبق إلى إصداره في عام 2008 الكاتب الأميركي، من أصل هندي، فريد زكريا تحت العنوان التالي: "عالم ما بعد أميركا". ويرسم زكريا في كتابه أبعاد عالم المستقبل الذي يراه قائماً على أساس محاور ثلاثة، هي أميركا.. ومن بعدها الصين (غريماً منافساً).. ثم الهند (صديقاً حليفاً).

تستهل مؤلفة هذا الكتاب نقاشاته بإيضاح أنه بحلول عام 2030 (بعد 12 سنة من الآن)، ستعيش نسبة 40 في المائة ممن ينتمون إلى الطبقات الوسطى على مستوى العالم، في كل من الصين والهند، وهو ما سيكفل ــ كما تؤكد المؤلفة أيضاً، قدراً لا يستهان به من القدرة والتأثير لكل من البلدين المذكورين.. لا سيما وأن النسبة المقارنة من أفراد الطبقات الوسطى نفسها، في أميركا وأوروبا، لن تزيد على 20 في المائة فقط لا غير.

وبعدها، تعمد مؤلفة الكتاب إلى أن تزيدنا ــ كما يقال- من هذا الشِعْر السياسي بصيغته المتنبئة، بيتاً آخر تضيف فيه ما يلي: إن تلك الأصقاع الصينية- الهندية من ساحات آسيا، لن تقتصر على منافسة أميركا وأوروبا في مجالات إنتاج السلع - الاستهلاكية وما في حكمها. بل المنافسة المرتقبة ستمتد إلى مجالات الطاقة والموارد الأساسية. و

وتؤكد مؤلفة الكتاب هنا أنه لا سبيل إلى أي حوار أو أي بحوث بشأن ما يشغل عالمنا من مشاكل وقضايا في حيّز المستقبل القريب، فضلاً عن التماس حلول لها، إلا بمشاركة لازمة من جانب الصين والهند.

وفي السياق ذاته، تخلص مقولات كتابنا إلى محصلة يمكن إيجازها بتركيز شديد فيما يلي:

لا سبيل إلى التماس السلام في الداخل (أميركا وأوروبا)، إلا بالعمل على إبقاء قارة آسيا في حالٍ من استقرار الأحوال واستتباب السلام. وهو أمر ليس بالسهل أو الميسور في كل حال.

والسبب ــ حسب ما تجيب فصول الكتاب- يتمثل في ما هو حاصل من أنماط السلوك التي درجت عليها كل من الصين والهند في الآونة الأخيرة، وخاصة ما يتعلق بالتوسع الدائب، وبإيقاع متسارع، من جانب بكين ونيودلهي في قدراتهما العسكرية، ولدرجة أن قارة آسيا ــ كما تشرح المؤلفة- قامت في مجموعها باستيراد نصف المجموع العالمي من الأسلحة على مدار السنوات القليلة الماضية.

في ضوء هذه التحليلات، تعمد مؤلفة الكتاب إلى رسم مسارين توضّح محاور كل منهما عبر الفصول الـ12 التي تشكل قوام الأفكار المطروحة على صفحات الكتاب.

• ويوصف المسار الأول بأنه مسار الخصومة والتوجّه العسكري المعادي، وترى مؤلفتنا أنه كفيل بأن يفضي إلى حرب باردة جديدة، بكل ما يرتبط بها من مغارم ومخاطر ومعوقات، وخاصة عندما تندلع "هذه الحرب الباردة بين أميركا والصين، فيما تدفع أميركا إلى توثيق تحالفها مع الجانب الهندي من هذه المعادلة".

• وأما المسار الثاني فتضفي عليه المؤلفة صفة "التعاوني"، وهو محور يقوم على أسس بديهية، ومنها مثلاً: اعتراف الأطراف ذات الصلة بأن لها مصالح مختلفة يمكن أن تتصادم وربما تتصارع، وهو ما يفرض على الأطراف نفسها، أن تعمد إلى إدارة هذه الصراعات بما يكفل "لنا ولأبنائنا من بعدنا ولأبنائهم أيضاً" سبل السلام المخيّم والهواء النظيف وإمكانيات الازدهار.

وفي كل حال، تخلص مؤلفة الكتاب إلى أهمية التأكيد على ثنائية التعامل ــ في وقت واحد، مع الطرفين المحوريين في قارة آسيا: الصين والهند، وبمعنى ألا يكون في توثيق العلاقة مع طرف منهما، تجاهل الطرف الآخر.

ويستوي في ذلك تعميق وتوثيق أواصر التعاون، وخاصة في المجالين العسكري والاقتصادي، بقدر ما يستوي أيضاً العمل على معاودة البحث المتواصل عن الأرضيات المشتركة التي يمكن أن تجمع بين هذه البلدان الثلاثة، ترقباً لتحقيق الأمل الذي تنشده مؤلفة هذا الكتاب، بحكم ما استطاعت أن تحصّله من خبرة فكرية وميدانية في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية، وصولاً إلى تجسيد المعنى الذي جهدت في بحثه وطرحه ومناقشته عبر فصول كتابها، وهو المعنى الذي ما برحت تومئ إليه العبارة المحورية التي تدور عليها طروحات الكتاب وهو: نحو عالم جديد.. وشجاع.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon