رائد ثورة تقنية نقلت البشرية إلى تقدم مبهر

ماركوني.. مخترع اللاسلكي الذي غيّر العالم

خطوات مهمة ومكتسبات كثيرة حققها الإنسان أخيراً، بعد أن أمكن للأجيال الحالية أن تحصد الثمار العلمية والتقنية والعملية التي طالما ناضلت من أجلها أجيال متعاقبة من البشر، وكان هدفها الجوهري، على اختلاف العصور والحضارات والأقطار، هو تمكين البشر من الحركة والانتقال، ومن ثم الاتصال.

ومن هنا فليس صدفة أن يكون الإنجاز المحوري في تاريخ الإنسان على سطح هذا الكوكب، ملخصاً في عبارة تقول: اختراع.. العجلة.

وبفضل هذا الاختراع، توصّل الإنسان مع تطور الحضارة إلى عربة النقل للأشخاص والأشياء. وما لبث أن تحوّل مع بدايات القرن التاسع عشر إلى اختراع القاطرة البخارية على يد الإنجليزي ستيفنسون. وكان قد سبقه مواطنه من ويلز، ريتشارد ترﭭيثيك، إلى تسيير أول قطار يعمل بقوة البخار في 21 فبراير عام 1804.

وفيما جاء القطار بمثابة ثورة في مجال النقل، أضيف إليها ثورة أخرى في مجال الاتصال، بل هو التواصل البشري، حين أرسل مُورس أول برقية تلغرافية في التاريخ يوم 24 مايو 1844. وبعدها بأقل من جيل واحد وتحديداً يوم 10 مارس 1876- أجرى الأميركي، ألكسندر بلْ، أول مكالمة هاتفية. وكأنما كانت هذه الإنجازات تشكّل في مجموعها إرهاصاً يبشر الإنسانية بالوعد الجميل الذي كان يدخره القرن الـ20 ممثلاً في إمكانية الاتصال- التواصل عبر فضاء السماوات وأجواء الأثير.. وهو ما جسدته أول رسالة لاسلكية في التاريخ تم إرسالها من أرض إنجلترا لتعبر فضاء الأطلسي وتحمل تحية، لاسلكية، حتى لا ننسى، إلى تيودور روزفلت، رئيس الولايات المتحدة. وكان ذلك في اليوم الأول من عام 1903 على وجه التحديد.

وفيما كان مخترعو القطار البخاري من الإنجليز، وكان مخترع الهاتف السلكي من الأميركيين، فقد كان العبقري مكتشف ومخترع جهاز اللاسلكي ينتمي هذه المرة إلى إيطاليا. واسمه جوجلييلمو ماركوني. ويقدمه الكتاب الذي نتناوله في هذه السطور، باسم شهرته الذي تردد من يومها على كل لسان: ماركوني.

ويرى المؤلف فيه شخصية أقرب إلى الساحر العبقري. ولذلك فالمؤلف يقدم بطله بعبارة نحاول ترجمتها على النحو التالي: الرجل الذي ربط العالم بوشائج التواصل.

ومؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور مارك رابوي، أستاذ الإعلام ودراسات الاتصال في جامعات كندا. ورغم جسامة حجم الكتاب (832 صفحة)، فقد كان الاستهلال ينصب على تصحيح معلومة تاريخية نُسبت إلى ماركوني، على أنه مخترع المذياع (الراديو)، وإن كانت الحقيقة، أنه كان أول إنسان -عبقري بالطبع-، استخدم موجات الراديو (الأثير) من أجل تحقيق عملية الاتصال، وكأنما كان قصده تحقيق نوع من الاتصال البرقي- التلغرافي.. اللاسلكي كما قد نقول.

في كل حال، كان الذي أنجزه ماركوني، على نحو ما يشدد عليه مؤلف الكتاب، هو ثورة بكل المعاني: نقلت عالم البشر إلى طور جديد من أطوار التقدم الحضاري المبهر مع سنوات القرن العشرين، وهو الحقبة التي بدأت -كما أسلفنا- باكتشاف اللاسلكي.. ومن ثم باستخدام هذا الكشف في عمليات البث المسموع بالراديو ثم المرئي بالتلفزيون. ثم تطورت الأمور إلى إمكانات البث العولمي عن طريق الأقمار الاصطناعية. وقرب ختام القرن العشرين أضاف عبقري مستجد، الأميركي بيل غيتس، إمكانية التوصل إلى ما يعرف باسم برمجيات الحاسوب (سوفت وير)، فكان أن اكتملت رسالة بطل كتابنا «ماركوني» بعد أن هيأ «جيتس» للبشر سبل التواصل الكوكبي على جناح الشبكة العنكبوتية مع مطلع التسعينيات من القرن الـ20.

ولا يقف المؤلف عند جوانب التواصل البشري على مستوى الثرثرة أو البوح أو حتى التخاطب في مجالات السياسة وما في حكمها، فالكتاب يرصد أيضاً ما يرى أنه «ثورة» حدثت بفضل سبل الاتصال اللاسلكي في أسواق المعمورة، فكانت النتيجة هي إمكانية التنسيق فيما بين الأسواق والبيوتات المالية، والاتفاق على تحديد أسعار صرف العملات وأسعار السلع، هذا فضلاً عما شهدته، وتشهده بالطبع، سبل الاتصال عند أعلى مستويات الكفاءة بين القادة العسكريين وخاصة في عمليات الاشتباك والمواجهة في ميادين القتال.

على أن هذا الكتاب يكاد يتفرد من بين عشرات، وهو كتاب «ماركوني». إذ وضعه مؤلفه في 36 فصلاً بالتمام والكمال.. يبدأ أولها بعرض البيئة التي نشأ فيها العبقري الطلياني في بولونا- إيطاليا، ومنها إلى لندن حيث بدأ تعليمه وتبدّت على ساحتها ملامح نبوغه، وهو ما جعل المؤلف يخصص الفصل الرابع للحديث عنه بصفة.. «الساحر». ومن ثم تتوالى فصول الكتاب لتتابع مسيرة ماركوني، وخاصة بعد انتقاله إلى نيويورك.. مع عرض المؤثرات السياسية والاقتصادية والشخصية التي شكلت مسار حياة «الساحر»، على نحو ما تتأثر به حياة إنسان مهما كان عبقرياً بالسلب أحياناً وبالإيجاب في أحيان أخرى.

صحيح أن المؤلف يتوقف ملياً عند تأثيرات اندلاع الحرب العالمية الأولى على «ماركوني»، فضلاً عن تأثيرات الحركة والسياسة الفاشستية التي قادها الديكتاتور موسوليني في إيطاليا على مواطِنه العبقري، الذي كان يركز كل همّه وكل اهتماماته على تطوير الكشف المحوري الذي توصّل إليه.

ورحل ماركوني في سن الثالثة والستين وكان ذلك عام 1937. وأياً كانت المؤثرات التي تعرّض لها، ومؤلف الكتاب يعمد إلى أن يختار عنواناً للفصل الأخير يجمع فيه بين إيجاز العبارة وبلاغة الدلالة. والعنوان يصف جوجلييلمو ماركوني قائلاً: كان اللاسلكي هو شاغله الوحيد.

الكتاب:

ماركوني

إعداد:

مارك رابوي

الناشر:

جامعة أكسفورد

الصفحات:

832 صفحة

القطع:

المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon