راسبوتين.. حكاية فلاح أميّ حكم البلاط الروسي

مرت في العام الفائت، 2016، مناسبة انقضاء 100 عام على نهاية راسبوتين الروسي، وانتقاله من دنيا الأحياء إلى عالم الراحلين. ولم يكن هذا الانتقال سهلاً ولا كان هادئاً يحفه جلال الموت ولا رهبة الرحيل.. كانت نهايته درامية - تراجيدية بكل المعاني بقدر ما كانت بداياته، بل أطوار حياته كلها مفعمة بالدراما - أو الإثارة التي ما زالت تجذب اهتمامات الكاتبين والمؤرخين.

وهو ما يستعرضه كتاب مهم في الصدد للباحث دوغلاس سميث، عنوانه «راسبوتين: الاعتقاد والقوة وغروب شمس آل رومانوف». إذ يبين أن اسمه غريغوري يفيموﭭتش. لكن التاريخ الحديث لا يزال يشير إليه بالاسم الذي شغل الدنيا، سواء عبر المكان في روسيا القيصرية أو عبر الزمان على مدار الفترة 1872- 1916.

. وهذا الاسم التاريخي هو: راسبوتين، المواطن الروسي الذي قدّم نفسه للناس بشكل عام وللشخصيات الحاكمة في بلاط القيصر «نيقولاي الثاني» بشكل خاص، على أنه الراهب.. الساحر.. المؤثر.. القادر على تحويل التعاويذ والرُقي والنظرات النفاذة إلى أدوات ناجعة لشفاء المرضى ورسم الطريق أمام المرتبكين والحائرين.

ويجمع الكتاب بين السيرة الشخصية لراسبوتين وبين التأريخ السياسي، موضحاً أنه لم تكد تمضي سنة واحدة على نهاية «راسبوتين» بعد حياته الحافلة والمثيرة في بلاط قياصرة آل رومانوف، إلا وجاءت السنة التي تلتها كي تشهد وبصورة سوبر- درامية أيضاً، نهاية أسرة رومانوف ذاتها وانهيار، ومن ثم زوال، الإمبراطورية الروسية بعد قيام ثورة أكتوبر عام 1917 بقيادة فلاديمير إيلتش لينين (1870- 1924).

على أن الاهتمام المتواصل بسيرة وسلوكيات راسبوتين، لم يكن ليقتصر على البعد التاريخي المتمثل في هذه السيرة التي بدأت بمولد صاحبها في مستهل سبعينيات القرن التاسع عشر. فالاهتمام الأكبر يستمد جذوره من غلالات الغموض التي صاحبت، وربما لا تزال تغشى، حياة ذلك الرجل الذي شغفت به أوساط الفن والفنانين في كل أنحاء العالم.

وجاء هذا الشغف على شكل أعمال سينمائية ومسرحية استمدت محاورها من أطوار حياة راسبوتين (منها مثلاً: مسرحية عرضت في مصر منذ العشرينيات من القرن الفائت وكان بطلها الفنان يوسف وهبي).

ثم لا تفوتنا ملاحظة أن مؤلف هذا الكتاب يجمع بين كونه مؤرخاً ومترجماً مقتدراً وبين سابق عمله لدى وزارة الخارجية الأميركية وسفارتها في العاصمة الروسية موسكو. ومن هنا تتميز فصول الكتاب بأنه لا يعوّل فقط على ما سبق إليه مؤرخو «راسبوتين» من دراسات أو تحليلات، ولكنه يستند بالدرجة الأولى إلى مفردات وأضابير المحفوظات الرسمية بالروسية وغيرها.

لا سيما وأن راسبوتين ما برح يشكل شخصية جدلية جمعت بين نوازع الرغبات الحسية والإغراءات ونزوات الشعوذة الهابطة، فضلاً عن قدرة، إن لم تكن موهبة، استخدام بصيرة خاصة من أجل النفاذ إلى أعماق شخصيات بارزة من معاصريه، وكان في مقدمتها -كما يوضح كتابنا- القيصرة «ألكسندرا»، شريكة العرش الروسي وقتها.

وكم كانت عميقة الإيمان من جانبها بأن القدرات الاستثنائية التي يتمتع بها راسبوتين هي السبيل الأنجع لعلاج نجلها الأمير الصغير من مرض سيولة الدم (الهيموفيليا).

وبعيداً عن مؤثرات الانبهار أو الاستنكار، ظل المؤلف حريصاً -عبر صفحات كتابنا-على أن يظل في الجانب السردي والتحليلي لمراحل حياة راسبوتين وأنماط سلوكياته.. ملتزماً بجانب الموضوعية والتصوير الإنساني.

وعندما اختار مؤلفنا أن يتباعد عن المعلومات المتواترة التي كانت تصور «راسبوتين» منغمساً في الشهوات، أفاد قارئيه عندما سلّط أضواء بحثه على دور ذلك الفلاح شبه الأميّ القادم من أعماق الريف الروسي، سواء خلال ثورة روسيا عام 1905، أو في أثناء عدد من التحولات السياسية الإيجابية أو السلبية التي شهدتها سنوات صعوده خلال المراحل الاستهلالية من القرن العشرين.

الكتاب: راسبوتين: الاعتقاد والقوة وغروب شمس آل رومانوف

تأليف: دوغلاس سميث

الناشر: مؤسسة فيرار، ستراوس آند جيرو

الصفحات:

848 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon