الحياة الاجتماعية المخبوءة للأشجار.. تواصل وأسرار

صورة

في عام 1947 تلقى مستمعو الإذاعات في الوطن العربي أنشودة من غناء كوكب الشرق «أم كلثوم»، تحمل عنوان «لغة الزهور»، شارك في إعدادها الشاعر بيرم التونسي.

كما وضع ألحانها الشرقية من مقام «الهزام» الموسيقار زكريا أحمد. المهم أن الأغنية جاءت بمثابة إضافة لمّاحة إلى ظاهرة تمسّك العرب في تلك الفترة، بأهداب الذوق الرفيع، خاصة أن أشعارها كانت تضفي روحاً من الحيوية والروعة على أنواع الزهور التي تستهوي أذواق البشر.

للنبات حياته الخاصة، وله إيقاعاته الدينامية وله دورة معايشة منذ أن يبدأ بذرة في جوف الثرى إلى حيث يستوي ثمرة يانعة أو شجرة باسقة أو حبة قمح تشكل مع مثيلاتها غذاء وطعاماً للملايين.

تلك هي الأفكار التي لا تلبث تتداعى إلى الذهن في معرض تناولنا لكتاب طريف المترجم عن الألمانية، أخيرا، للباحث بيتر فوهلين، إذ اختار ناشرو الترجمة إصداره تحت عنوان: الحياة المخبوءة للأشجار: كيف تشعر الأشجار وكيف تتواصل- اكتشافات من عالم حافل بالأسرار؟

ويمثل الكتاب دراسة رائدة بحق، سبق إلى نشرها في إنجلترا منذ 353 عاماً بالضبط، إنجليزي سماه ﭽون إﻳﭭلين تحت العنوان التالي: «ﺴﻳﻠﭭــا»، ومعناها في اللاتينية «الغابة الوارفة». وتلا تلك الكلمة الوحيدة عبارة شارحة للكتاب الرائد المذكور، توضّح أن محتواه إنما يدور عن «أشجار الغابة».

من ناحية أخرى، لم يكن مؤلف كتابنا، الألماني، كما أسلفنا، مجرد ثريّ أمثال وجهاء الإنجليز، فمؤلفنا بيثر فوهلين، متخصص في رعاية الغابات بعد أن أمضى سنوات طويلة في إدارة الأحراش الغابّية التي ما برحت حافلة بأشجار الصنوبر والبلوط والسنط والزان وشجيرات الجوز وصويحباتها التي تحّف مساحات من الريف الألماني.

والمؤلف يستهل صفحات كتابه موضحاً أن هذه العِشرة الطويلة والجميلة- المثمرة أيضاً مع نباتات الغابة، أطلعته على ما يحفل به عالم الأشجار من مكنون الأسرار، ثم ها هو يعترف عبر الصفحات بأنه ظل يستمد رزقه وتكاليف معيشته عندما كان يعمد إلى قطع أشجار الغابة من أجل تحويلها وتجهيزها للبيع في أسواق الاستخدام العملي، ثم يشفع هذا الاعتراف بأنه كان يتعرف إلى الشجرة- الضحية تماماً .

كما يتعرف القصّاب- اللحّام على الماشية التي يتهيأ لذبحها وعرضها في أسواق المبيع، بيد أنه لاحظ كيف يُولي زوار الغابة اهتمامهم وإعجابهم بالأشجار والنباتات، التي لم تكن تحوز من جانبه أي إعجاب، فكان يتركها في حالها دون أن يعرض لها بالتقطيع ولا بالبيع أو الاستغلال. وهنالك بدأ يحّول أنظاره إلى هذه الأشجار والنباتات.

ومن تلك الكائنات التي يوثق لها المؤلف، ما كان يتمثل في الجذور غريبة الشكل التي كانت تنمو في أرضية الغابة، إذ ظل يرصدها ويتابع نموها وغرابة تطوراتها، إلى أن شهدت الغابة تطوراً غير مسبوق. جاء هذا التطور على يد أجيال مستجدة من أساتذة وباحثي علم النبات (Botany)، فمنهم من قام بجولات بحثية في الغابات الألمانية التي عايشها مؤلف الكتاب عبر سنوات العمر.

ومنهم من دَرَس أطوار حياة النبات في أصقاع كولومبيا البريطانية، بيد أن كلا الفريقين توصل إلى كشف مبهر وغير مسبوق بالنسبة لحياة الأشجار والنباتات بشكل عام، إذ اكتشفا أن الفطريات النباتية تعمل على ربط التواصل بين الأشجار على اختلاف نوعياتها من خلال بث إشارات كيميائية وكهربائية في أوصال جذور تلك الأشجار.

وأدى هذا الكشف إلى القول إن الأشجار «تستطيع» في واقع الأمر أن تتواصل في ما بينها، وأنها تستخدم أوراقها الشجرية بوصفها ألواحا شمسية تستقبل أشعة الشمس ثم تعيد بثها كي تبعث الحيوية في أوصال النبات.

هكذا حرص المؤلف على أن يُودِع كتابنا ملاحظات نراها غير مسبوقة، حين ذكر أن الأشجار «تتكلم» وكأنها تتجاذب أطراف الأحاديث من خلال الروائح التي تفوح في ساحات الغابة، ثم ها هو يوسع ملاحظاته حين يذكر أن أشجار السنط الباسقة في غابات أفريقيا لا تقتصر على تبادل الأحاديث، بل تتعدى ذلك إلى إرسال إشارات التحذير والإنذار.

فحين تعمد زرافة الغابة إلى نهش شجرة السنط تنداح الروائح النفاذة الخاصة على شكل «برقية إنذار» لسائر أشجار السنط في الغابات المتاخمة، لتبادر تلك الأشجار إلى إفراز المواد السمّية التي من شأنها إبعاد الزرافات عن مواصلة الهجوم على سائر الشجرات.

الكتاب: الحياة المخبوءة للأشجار

تأليف: بيتر فوهلين

الناشر: مؤسسة غرايستون، كندا

الصفحات:

272 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon