رحلة إلى بلاط لويس الـرابع عشر

من حلب إلى باريس

الرحَّالة والمغامر الحلبي أنطون يوسف حنَّا دياب يُعرِّض حياته للخطر مرتين، كما يذكر في كتابه الذي هو مزيج من العامية والفصحى، بينما هو في بلاط الملك لويس الـرابع عشر بقصر فرساي في بهريس- باريس. المرةَّ الأولى حين استقبله الملك لويس فأخذ الشمعدان من يده بدعوى حَمْلِه عنه، فلم يُعاقبه بل سامحه، وهو الملك الذي كما يصفه حنَّا دياب من شدَّة هيبته (ما بيقدر إنسان يحقِّق النظر فيه).

والثانية حين تجوَّل في القصر وعلى خاصرته سكِّين/‏‏ خنجر بصفته «الشرقي حامل القفص» وفيه جربوعان أثارا تعجُّب الملك كانا بقيا على قيد الحياة من أصل خمسة حملهما من صعيد مصر برفقة السائح الفرنسي ذي المهمة الملكية إلى حلب، وبعض حواضر الشرق.

«بول لوكا 1664 ـ 1737» الذي قدَّمه للملك بأنَّه: من بلاد سوريا، ومن الأرض المقدَّسة، وهو من طائفة الموارنة الذين استقاموا في الكنيسة البطرسية من عهد الرسل، وما انشقوا عنها إلى الآن. وذلك حين انصرفت أميرات البلاط من التفرُّج على هذه القوارض، إلى التفرُّج على حنا دياب.

أنطون يوسف حنَّا دياب كَتَبَ رحلته التي قام بها ما بين عامي 1707 و1710 بعد أكثر من خمسين سنة من عودته إلى حلب، برفقة (مُعلِّمه) الفرنسي بول لوكا الذي أخذه معه مساعداً ومترجماً، بعد أن كان قَدْ وعدَهُ بأن يجد له عملاً في قسم الكتب العربية بالمكتبة الملكية في باريس.

ولكن لوكا لا يبرُّ بوعده بسبب صراعه مع المستشرق أنطوان غالان، فيقفل حنا دياب عائداً من مرسيليا فأزمير وإسطنبول، عابراً الأناضول مع قافلة إلى حلب حيث اشتغل بالتجارة.

أما روايته التي بقيت مجهولة حتى تسعينيات القرن المنصرم بعد أن أهداها قس حلبي إلى مكتبة الفاتيكان عام 1926، تُترجم إلى الفرنسية بعد أن اكتشفها الباحث الفرنسي جيروم لانتان في مكتبة الفاتيكان عام 1993.. وتصدر عام 2015 في باريس قبل نشرها بلغتها الأم. فهي موقفٌ نقدي أخلاقي يأبى عقلنة الجنون في ما شاهده في رحلته من حلب إلى باريس، فحلب.

ومن يقرأ حكاياته فيها سيُدرك مدى الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لدى حنا الذي لم تسرُّه أبداً عمليات الانقلاب على العقل في ممارسات الناس أعمالهم، من مثل موقفه النقدي من الكاهن الكاثوليكي الذي يداوي الناس بـ(الكي) في مصر، إذ يسأله حنا: «ألا يوجعك قلبك على هذه الأوادم الذين تعذّبهم بمكاوي النار التي لا يطاق ألمها؟».

فيجبيه الكاهن بأنّ «هؤلاء الأوادم طبعهم طبع وحوش، الأدوية الاعتيادي ما بتأثر في أجسادهم ولا بتنفعهم، فالتزمت بأن أعالجهم هذا العلاج الذي بيعالجوا فيه الحيوانات».

وهكذا ترى حنا يكتب بحس المفكِّر النقدي ولكن (الفطري)، فحنا مستغربٌ يكتشف بشرقيته وبعفوية أنَّ الناس في البلدان التي مرَّ بها في رحلة استغرابه هي غير واعية بانحطاطها وإن كانت بيئتها متمدِّنة. يصف حنَّا دياب كثيراً من المدن في رحلته فيكتب عن مدينة ليون حين دخلها برفقة لوكا.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon