«الدون الهادئ» بانوراما ثقافة القوزاق وحياتهم وسط الحروب

صورة

من مسقط رأسه على ضفاف نهر الدون، وسط سهوب روسيا المترامية الأطراف، انطلق ميخائيل شولوخوف، الروائي الحائز على جائزة نوبل للآداب في تأليف تحفته الخالدة «الدون الهادئ»، مصوراً التبدلات الاجتماعية التي عصفت ببلاده الشاسعة أوائل القرن العشرين، عبر توثيق حياة القوزاق، الجنود الفلاحين الذين كانوا فيما مضى خيالة جيش القيصر، وحماة حدود روسيا الجنوبية، قبل أن تقلب الأحداث العاصفة حياتهم رأساً على عقب.

وبتفاصيل غنية نابضة بالحيوية، يصور الكاتب، عبر أربعة مجلدات، ركوب الخيل عبر السهوب وتبدل مزاج النهر مع اضطراب القرى المحيطة بضفافه، مؤرخاً في روايته الملحمية حياة هؤلاء القوم وصراعاتهم، إبان الحرب العالمية الأولى، مروراً بالثورة الروسية وانتهاء بالحرب الأهلية، وذلك في تقاطع مع قصة حب عاطفية مليئة بالمشاحنات العائلية.

1910

الرواية تعد من أعظم الروايات الملحمية في الأدب السوفييتي، لا سيما في تغطيتها الواسعة لمرحلة حافلة بالأحداث ما بين 1910 حتى 1922، كانت عناوينها السلم والحرب والثورة والحرب الأهلية، حيث نشاهد القوزاق في أوقات السلم وهم يعملون في مزارعهم وسط روائح المراعي والقش المتعفن.. منخرطين في علاقات القرية ومكائدها الصغيرة، بينما نشهد على حياتهم كجنود في ساحات الوغى في أوقات الحرب.

كثيراً ما شُبهت هذه الرواية برواية «الحرب والسلام» للأديب الروسي ليف تولستوي، لا سيما في تصويرها الملحمي للحياة والثقافة الروسية عبر عدسات السياسة والعسكر، فضلاً عن حياة الناس العاديين، كما في تفحصها المتعمق لقدر البشر على خلفية تحولات ومحن كبرى، لكن فيما تدور تحفة تولستوي في قاعات النبلاء، فإن كتاب شولوخوف مكرس لحياة الجنود الفلاحين الذين تبدو حياتهم في سهوب روسيا الوعرة شديدة القسوة بقدر ما هي نابضة بالحياة.

مآس

وعلى روعة الرواية، إلا أن الغرب لم يعترف بأهميتها إلا متأخراً لأسباب سياسية، فشولوخوف كان مناصراً للحزب الشيوعي وناقداً لدوداً للكتاب المنشقين عن الاتحاد السوفييتي، ولم يسعفه أيضاً التأطير السوفييتي للرواية ضمن كلاسيكيات الواقعية الاشتراكية، لكن تحفته تبقى من أكثر الروايات المقروءة في الاتحاد السوفييتي، ويعتقد أنها خضعت للرقابة مراراً، لا سيما وأن الكاتب صور صراع القوزاق المأساوي ضد البلاشفة من أجل الاستقلال، لكن يقال إن ستالين نفسه سمح بنشرها، ربما لاعتبارات سياسية تتعلق بحاجته إلى أولئك الجنود المتمرسين في حال اندلاع حرب مقبلة.

وأثار إنجاز شولوخوف للأجزاء الأولى من الرواية في مطلع شبابه، الكثير من علامات التعجب حول الطريقة التي تمكن فيها هذا الشاب من التوصل إلى هذا القدر من المعرفة المتعمقة عن حياة القوزاق، وهذا الفهم الناضج للتاريخ، وهذه الموهبة الفنية الفذة.

وتقوم حبكة الرواية على حقائق تاريخية وتوصيف دقيق للأحداث. وتسرد تاريخ أسرة ميليخوف من تاتارسك، الذين هم أسلاف رجل من القوزاق اتخذ أسيرة تركية زوجة له في أعقاب الحرب الروسية التركية عام 1912، لم يتقبلها أهل القرية في وقتها، لكن الابن والأحفاد، أبطال الرواية الملقبين بـ«الأتراك»، يحظون باحترام واسع في القرية.

ويقول الكاتب إنه شرع في كتابة الرواية واصفاً أحداث انقلاب كورنيلوف عام 1917، ثم اتضح له أن هذا الانقلاب، لا سيما دور القوزاق فيه، لا يمكن فهمه دون النظر في تاريخهم.

«لهيب الحروب»

وكانت النظريات الماركسية عن الاستغلال قد بدأت تصل إلى القرى، ثم سرعان ما اندلعت الحرب العالمية الأولى فسيطرت في تلك الأنحاء قصة رحيل رجال القرية لمحاربة النمسا، حيث يصف شولوخوف جثثهم المتعفنة في حقول غاليسيا وبروسيا الشرقية ورومانيا، ويكتب في رثائهم: «حيثما اشتعل لهيب الحروب، كانت آثار الجياد القوزاقية مطبوعة على الأرض».

وفي نهاية تلك الحرب المدمرة ستندلع الثورة الروسية عام 1917، ثم الحرب الأهلية الدموية التي ستقلب العائلات على بعضها في القرية، وبالتفاصيل، يوثق شولوخوف الحرب بين الجيش الأحمر بقيادة البلاشفة والجيش الأبيض. وقد اتخذ الشاب غريغوري جانب الثوريين أولاً، قبل أن ينتقل إلى الجانب الآخر، ويعود إلى قريته وقد أنهكته الحروب.

وفي القصة، نتلمس الصراع بين الأجيال، بين أنصار «الحمر» وأنصار «البيض»، كما في النظرة إلى القيم العائلية والالتزامات الاجتماعية. ابن العائلة ميليخوف الجندي غريغوري مغرم بأكسانيا زوجة جارهم ستيفان استاخوف الذي يخدم في الجندية، وتحت إصرار الوالد يجبر على اتخاذ زوجة له لا يحبها، لكنه لا يزال مغرماً بالأخرى. وتركز الحبكة على علاقة الحب بينهما فضلاً عن الحرب العالمية والحرب الأهلية التي ستدفع بشباب القوزاق في أتون حرب دموية.

الفضيحة في القرية كانت قد دفعت والد غوريغوري لجلده بالسوط، وبشعور من الذل والغضب، سيغادر منزل العائلة، ويهرب مع اكسانيا حيث يعملان لدى أحد ضباط الجيش المتقاعدين، وترزق بطفلة، بينما تحاول زوجته ناتاليا الانتحار، وبعد وفاة ابنته، تصبح اكسانيا وحدها يائسة، وفي غضون ذلك يقوم ابن الضابط بالمتقاعد بإغوائها، وعندما يكتشف غريغوري خيانتها له بعد عودته من الخدمة يشعر بالغضب ويعود إلى مسقط رأسه ويتصالح مع زوجته التي ستنجب له طفلاً وطفلة.

وكانت الحرب تستعر والجيش منهك وكل شيء مهيأ للدعاية الثورية. ويعود غريغوري بعد تسريحه من الجيش إلى مسقط رأسه، وينضم إلى البلاشفة لمحاربة عدم المساواة والظلم، لكنه يصعق بمقتل ضابطين من الجانب الآخر على يد زعيم الحركة الثورية. وفي غضون ذلك، تتوفى زوجته. وينضم إلى مجموعة من المقاتلين الوطنيين من القوزاق، لكنه لم يكن راضياً أيضاً لأن عمليات القتل كانت مستمرة على الجانبين في الحرب الأهلية. وبعد 7 سنوات من الصراع، يصبح غريغوري منهكاً أخلاقياً ومدمراً عاطفياً. محنته شبيهة بملايين الروس خلال تلك السنوات، الأمر الذي يجسده البطل التراجيدي الأكثر شعبية في الأدب السوفييتي.

وفي نهاية القصة، يتعرض لكمين أثناء هروبه مع أكسانيا فتقتل هذه الأخيرة، وينهار غريغوري، وفيما هو يدفن جثتها يدرك كم أن الحياة حزينة وغير عادلة. وتنتهي الرواية من حيث بدأت، مع تدفق الدون بصمت عبر السهوب فيما ستتمخض عن الموت حياة جديدة، حيث يختم الراوية على الشكل الآتي: «وتضع أنثى الطير تسع بيضات بجانب ساحة المعركة، وتدفئها بجسدها وتحميها بأجنحتها اللامعة».

ميخائيل شولوخوف. روائي روسي حائز على جائزة نوبل للأدب عام 1965. ولد في فيشينسكايا بمنطقة روستوف عام 1905 وتوفي في 1984.

بطاقة

امتهن الكتابة وهو في الـ 17 من عمره، ثم انتقل 1922 إلى موسكو ليصبح صحافياً، حيث نشر عدداً من القصص القصيرة، كما أصبح عضواً في مجموعة أدبية. وفي 1924 نشر أولى قصصه القصيرة في الصحف. وأول كتاب صدر له «حكايات من الدون» كان في 1926، وهو مجموعة قصص قصيرة عن القوزاق. وفي عام 1925 شرع بتأليف روايته «الدون الهادئ».

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon