مادلين ثين: كتاباتي تكرّم التاريخ المتنازع عليه

صورة

تميل الروائية مادلين ثين، ابنة العائلة الصينية المهاجرة من ماليزيا إلى كندا، للكتابة عن النزوح والذاكرة والفقدان، في محاولة لاستنباط ما خلفته كوارث شهدها العصر الحديث من مآسٍ على من عاشوها.

وكان تناولها المرهف للاحتلال الياباني لماليزيا والإبادة الجماعية في كمبوديا والثورة الثقافية في الصين في رواياتها الثلاث، وتأثيرات هذه الأحداث المدمرة على أجيال بأكملها، قد رفعها أخيراً إلى مصاف الأدباء الموعودين.

في روايتها الأخيرة «لا تقل ليس لدينا شيء» المدرجة على اللائحة القصيرة لجائزة مان بوكر، تستحضر ثين مأساة الصين في القرن العشرين من خلال حدثين متفجرين هما الثورة الثقافية في الستينيات من القرن الـ20، واحتجاجات «تيانانمين» عام 1989، حيث تتناول الكاتبة عبر ثلاثة أجيال وأربعة عقود المصير الذي يربط شخصيات موسيقية قبل أن يتحطم عالمها بسبب الأحداث التي ستعيشها الصين في ستينيات القرن الماضي.

عنوان روايتها هو سطر من نشيد الحزب الشيوعي الصيني المترجم عن الروسية لـ «نشيد الأممية»، وتقول الروائية التي تعيش في مونتريال، في مقابلة أجرتها معها صحيفة «غارديان» البريطانية أخيراً، إن بحثها في الموضوع تتطلب منها السفر عبر أراضي الصين الشمالية الغربية الشاسعة انطلاقاً من شنغهاي إلى حيث ينتهي «الجدار العظيم» للصين، وتتحول الأرض إلى صحراء.

1989

تستهل أحداث الرواية في فانكوفر بكندا حيث تقوم والدة ماري بتبني ابنة أحد أصدقاء زوجها، آي - مينغ، بعد هروبها من أحداث تيانانمين عام 1989، وما أن تصل الشابة إلى كندا حتى ينفتح الباب على 60 عاماً من التاريخ الكارثي لعائلتين من الموسيقيين الصينيين الموهوبين، أحدهما والد ماري الذي انشق وهرب إلى الغرب، والآخر والد آي - مينغ الذي بقي في الصين. الرجلان توفيا تاركين لابنتيهما أن تنسجا قصتيهما.

ويمضي سرد الرواية من منظور الطفلة ماري. في مشهد أولي، تراقب ماري والدتها وهي تستعين بقاموس لفك رموز رسالة تعلن الوصول الوشيك لآي - مينغ، ونعلم أن السبب الذي دفع والدة ماري للاستعانة بقاموس هو أنها ليست ملمة بالنص الصيني المبسط الذي فرضه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ على البلاد.

وتنتقل الرواية من «جيل 1989» وأحداث «ساحة تيانانمين» إلى «جيل 1966» الذي خاض الثورة الثقافية.

14 ربيعاً

عندما اندلعت تظاهرات 1989 في تيانانمين، كانت الروائية في الـ14 من عمرها في كندا، وتذكر أنها كانت المرة الأولى التي تشاهد فيها أحداثاً في الخارج يتم الكشف عنها في وقتها على محطة تلفزيون «سي أن أن»، كان ذلك بالنسبة لها عالماً موازياً.

وتتحدث عن والديها اللذين هاجرا إلى كندا، فتقول: «كانا متحفظين جداً عند التحدث بالإنجليزية، لكنهما مرحان صاخبان في لغتهما الأم».

«وصفات بسيطة»

كتبت وهي بعمر ال 23 عاماً «بضع قصص قصيرة» وعملت كاتبة في صحافة أكاديمية. ثم جاءتها منحة لإنهاء شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية، وشكل هذا حسب قولها «متغيراً في حياتها». أمضت السنة الأولى تعمل على القصص السبعة التي ستتحول إلى أول كتبها، بعنوان «وصفات بسيطة»، حيث ابتكرت نظاماً من الكتابة يقضي بالتخلي باستمرار عن مسودة النص وإعادة كتابته بالكامل.

روايتها الأولى «اليقين» الصادرة عام 2006، عن خلفية والدها الماليزية فازت بجائزتين في كندا، وتقول عنها: «شعرت بأنني أعرف أكثر مما أعرفه فعلاً. كتاب فتاة عن أبيها، كان يتعين عليّ كتابته لكي أتمكن من الانتقال إلى المستقبل».

وقد انتقلت في روايتها الثانية إلى كمبوديا في عهد بول بوت، وهي فترة من التاريخ الدموي خرج منه قلة من الأحياء ليخبروا قصتهم. وشكلت الإبادة الجماعية لـ«سنة صفر» عبئاً ثقيلاً على الضمير التاريخي.

في روايتها الجديدة تطرح إمكانية القيام بذلك جزئياً عبر فعل النسخ، حيث ستربط مخطوطة «السجلات التاريخية» أجيالاً عدة من عائلتي ماري وآي - مينغ. الكتاب نسخت منه فصولاً بعناية، وخبئ في الجدران، وتم تمريره من يد إلى يد، وهو لا يتماشى مع النسخة الرسمية للتاريخ الصيني. وتقول: «فعل النسخ مختلف في الصين لأن جزءاً من فن الخط هو أن تتعلم أن تكتب كما يفعل الجهابذة. الأمر يتعلق إلى حد بعيد بالنفس والتشديد والاتجاه. تتعلم النفس في الخط كما يفعل الجهابذة وبعدها تجد تعبيرك.. لدي بعض من إيماءات والدتي. وخط يدي يشبه خط يدها».

رواياتها تمثل «كتاب السجلات التاريخية» الخاص بها، ونتبين إيمانها أن العمل الصعب في أن تبقى حرة في خيالها مع تكريم «التاريخ المتنازع عليه». اهتماماتها كانت دوماً سياسية وتاريخية.. وهذه ستجد طريقها إلى كتاباتها على الدوام في سؤالها: «كيف تكتب عن نفسك بالعودة إلى التاريخ، الذي عمل على المستوى الرسمي على محوك من الوجود؟».

«لا تقل ليس لدينا شيء».. استحضار التاريخ احتفاء بالفردية

في استحضار مؤثر لمأساة الصين في القرن العشرين، تأخذنا رواية مادلين ثين، «لا تقل ليس لدينا شيء»، إلى عالم عائلتين صينيتين، لاستكشاف أوضاع جيلين متتاليين، أولئك الذين عاشوا الثورة الثقافية لماو في منتصف القرن العشرين، وأبناؤهم الذين نجوا وتظاهروا كطلبة في ميدان تيانانمين عام 1989، في واحدة من اللحظات السياسية الأكثر أهمية في تاريخ الصين الحديث.

وترصد ثين الطريقة التي ما زالت تلك الأحداث السياسية الاستثنائية، تجد صدى في حياة من عاشوها، وتحفر في طبقات من النسيان لتعود إلى مواضيعها الأساسية عن العائلة والذاكرة والفقدان.

7 عقود

تبدأ الرواية في فانكوفر بكندا، حيث تعيش ماري، واسمها الصيني «لي – لينغ»، مع والدتها. وتخبرنا أن والدها اختفى قبل سنوات، وفي عام 1989، عندما كانت في العاشرة، انتحر في هونغ كونغ عن عمر يناهز 39 عاماً.

وفي السنة نفسها، ظهرت مراهقة من أقاربها من الصين، امرأة شابة تدعى آي مينغ الهاربة من حملة القمع التي طالت محتجي تيانانمين. وتدريجياً، عبر سبعة عقود من التاريخ رجوعاً وإياباً، تجمع ماري قصة والدها وعلاقته العميقة والمضطربة مع والد آي مينغ.

ماري التي لم يسبق لها أن التقت بفتاة صينية من قبل، مثل والدها من البر الصيني، تصف ملابس آي - مينغ بدقة، حيث يتدلى زوجان من القفازات الرمادية من سلسلة حول رقبتها.

ومع تقارب الفتاتين تكتشف ماري أن والدها، جيانغ كاي، كان الوحيد بين عائلته الذي نجا من المجاعة التي نتجت عن سياسة «القفزة العظيمة إلى الأمام» لماو، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الـ20، وأنه كان عازف بيانو موهوباً برغم أنه لا وجود لبيانو في منزلهم.

وكان صديقاً لوالد اي مينغ، المدعو سبارو، الذي هو بدوره ملحن موهوب وأستاذ والدها في «كونسرفاتوار شنغهاي للموسيقى». وببطء، تجمع ماري تاريخ والدها، عبر قصص آي - مينغ، كما من خلال أبحاثها في الدفاتر الموجودة ضمن أوراقه الشخصية بعنوان «كتاب السجلات التاريخية».

وتتعرف ماري على الأجيال السابقة في العائلة: الأختان المغنيتان - في الأربعينيات من العمر، سويرل وبيغ موذر. وعندما أرسلت سويرل إلى معسكر للعمل في الخمسينيات، اعتنت أختها بيغ موذر بابنتها زولي التي ستكبر لتصبح عازفة كمان.

«موسيقى الاضطهاد»

حياة الأجيال السابقة تدور حول «كونسرفاتوار شانغهاي»، إلى أن تحطم الثورة الثقافية كل شيء. تصبح الموسيقى سبباً للاضطهاد، لكنها تستمر في الدوران في ذهن الموسيقيين فيما يحاولون التمسك بمعنى لحياتهم والحب رغم الفوضى والحزن والخيانة والعنف.

ووصفتها صحيفة «نيويورك تايمز» أن لديها الاجتياح الملحمي المثير المشبع لرواية روسية من القرن التاسع عشر، تمتد على ثلاثة أجيال وتحتضن شواطئ قارتين. وتتميز كتابتها بالطرافة والفكاهة المريرة في رسمها فترة مظلمة في تاريخ الصين، متطرقة إلى نفسية العنف الجماعي، لتحتفي بقابلية الفرد على التحدي، ولتصرح بقوة الفن السامية.

تتوج الرواية باحتجاجات تيانانمين، حيث تتبدى حركة مليئة بالحياة، «بائعو النودلز مبتهجون يوزعون الطعام، سجادة محترقة تطير ببطء نحو شاحنة الجيش، وسبارو يتكوم تحت ثقل عامل ممتلئ الجسم اخترقته رصاصة». وهناك يتذمر والد أحد الطلبة لسبارو: «أولئك الأولاد يعتقدون أن الأمر عائد إليهم، لا يفهمون القدر».

وفي الحصيلة، تبقى الصين وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» عملاً غير مكتمل، تماماً كسيمفونية سبارو رقم 3، التي تمثل شيئاً من الجمال الحقيقي أجبر على إخفائه في سطح منزله. وهناك أضاع الرجل الذي كان من المفترض أن يصبح عليه، لكن سيجد نفسه بعد سنوات قادراً على التلحين مجدداً، لكنه لم يتمكن من استكمال تلك القطعة بعينها. فالأنغام التي سعى إليها دفنت في الماضي.

1974

مادلين ثين. مؤلفة قصص قصيرة وروائية كندية من أصل صيني. ولدت في فانكوفر في كندا عام 1974، ودرست الرقص المعاصر في جامعة سيمون فرازر، والأدب في جامعة برتيش كولومبيا. حصلت على جائزة جمعية المؤلفين الكنديين ككاتبة كندية واعدة تحت عمر 30 عاماً.

لديها ثلاث روايات: «اليقين»، «كلاب في محيط الدائرة»، «لا تقل ليس لدينا شيء».وخلال الفترة 2010 إلى 2015، عملت ضمن برنامج ماجستير للكتابة الإبداعية في جامعة هونغ كونغ، قبل إغلاقه من قبل السلطات.

Ⅶوالداي كانا متحفظين جداً عند التحدث بالإنجليزية لكنهما يبدوان مرحين صاخبين في لغتهما الأم

Ⅶ«اليقين» نبعت من شعوري أني أعرف الكثير.. فجاءت بمثابة كتاب فتاة عن أبيها

Ⅶفعل النسخ مختلف في بكين لأن جزءاً من فن الخط هو أن تتعلم أن تكتب كما يفعل الجهابذة

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon