«دهنْ عودْ» رائعة شعرية جديدة لمحمد بن راشد

صورة

نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، رائعة شعرية جديدة عميقة المعاني، في حساب سموه الرسمي عبر موقع إنستغرام، أمس، ينسج فيها على منوال أسلوب العرب الرصين، في الإيجاز الغني بالمفردات التي يتراءى فيها للقارئ من جواهر ما بين السطور أضعافُ ما يظهر له من تراكيب الألفاظ؛ حيث حشد فيها سموه إبداعات بيانية وصوراً فنية يسيح متأملها في رياض البلاغة العربية الشعري، كعادة سموه في تلخيص صفحات البلاغة في سطور، ما يجعل من قصيدة سموه -كما أسماها- خلاصة أدبية رفيعة المستوى راقية التوجه، وكأنها تحاكي وتضاهي «دهن العود» في عصارتها، إذ تُغني شذرات منها عن مئات الأبيات والتراكيب الأخرى، كونها تفوقها أضعافاً مضاعفة قيمة وجمالاً وروعةً.


هي نفحات شاعرية تفيض محبة وإحساساً؛ فالحب والنصر والفوز هي الثلاثية التي لها اليد الطولى في توجه سموه للتغيير الإيجابي إلى الأفضل، وبذلك يكون «دهن عود» سموه بلسماً شافياً للأحزان، ومسحة حب من قائد عشق التفاؤل والحياة؛ فأحبَّ الناسَ وأحبَّهُ الناس.
 


قصيدة متفردة في صورها وبلاغتها
إذا كانت البلاغة في الإيجاز، فإن شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، صورة موغلة في الإعجاز، لذا فإنني عندما أقرأ هذا النوع من أشعار سموه تتبادر إلى ذهني أسماء كثيرة، لكن كما يقال: كلّ ما خطر ببالك فمراد الشيخ غير ذلك، فلنترك إذن المعنى في قلب الشاعر.


نعم.. هي خمسة أبيات فقط، لكنها لخصت قصيدة تتألف من عشرات الأبيات والقوافي، وإنها هي هذه الأبيات الغزلية الجميلة التي تعبر عن الرضاء التام بالمحبوب والاكتفاء به دون الالتفات إلى غيره.
لأن في المحبوب من الكمال والجمال ما يمتِّع العين ويثلج الصدر، ويشرح النفس، وفيه ما يجعل الحبيب ينشغل به لا بغيره على مدار اليوم والليلة، ويقول في نفسه ما قال قيس بن الملوح:


إذا ما بدت ليلى فكلّي أعينٌ
                      وإن هي ناجتني فكلي مسامعُ


قناعة وإعجاب
اقرأ معي قول الشاعر الكبير الشيخ محمد بن راشد:


لفظكْ عسَلْ وأمَّا السِّوالفْ دهنْ عودْ
                         وأنــــا آذوقْ الــلِّـي تــقـولْ وأشــمِّـهْ

هذا هو البيت القصيد، فالمهم أن المحبوب ملء سمعه وبصره وأن كلامه يصدِّقه القلب قبل السمع، والسمع قبل البصر، ولا يتحقق للمحبوب هذا المقام لولا قناعة الحبيب وإعجابه به.
وكم هي جميلة هذه الاستعارات والكنايات: لفظك عسل، والسوالف دهن عود، وأنا أذوق، وأشمه؛ وهل يمكن أن يكون الكلام عسلاً، والسالفة دهن عود، لولا اتفاق في الطبائع بما يشبه العسل، وانسجام في المواقف، وائتلاف في الأرواح بما يشبه دهن العود!
هذا... وإنني أكاد أشم من هذا الشعر رائحة الغزل الصوفي أيضاً، فكأنِّي بالشاعر الذي يقول:


مالي وللناس كم يلحُونني سفـــَـــــــــــها
                 ديني لنفسي ودينُ الناس للــــــــــــــناس
والله ما طلعت شمس ولا غربـــــــــــت
                                 إلا وحبك مقرونٌ بأنفاسي
ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدِّثهم
                              إلا وأنت حديثي بين جُلَّاسـي
ولا هممتُ بشرب الماء من عطـــــشٍ
                           إلا رأيت خيالاً منك في الكأس
ولو قدرت على الإتيان جئتــكم
                    سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس

وعندما يقول سموه:


مـتـخلِّينْ بـكْ خـوفْ واشـينْ وحْـسودْ
                          لــوُلـي شــريـكٍ فــيـكْ بـيـسيحْ دمِّــهْ

يريد بذلك القول والله أعلم: إن الكل يريدك لنفسه ولا يريد أن يشاركه أحد في القرب منك، وإنني كذلك؛ لكنني لكي أكون منصفاً أترك لهم المجال لكي يحظوا بحظوة منك، لعلمي أنك محبوب الجميع، ولولا هذا الشعور الإنساني المنصف لقاتلتهم حتى لا يصل إليك غيري.


تميز
ثم أراد الشاعر الفارس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن يبين لنا إلى أيِّ حدّ يتميز محبوبه على الآخرين، فقال:
قـالـوا شـبـيهْ الـبـدرْ بـالـزِّينْ مـفـنودْ
                            لا واللهْ أنِّـــكْ يـاأريَـشْ الـعـينْ عـمِّـهْ
زيـنـكْ بـغـيرْ حــدودْ والـبـدرْ مـحدودْ
                            نــصْ الـشَّـهَرْ نــورَهْ وعـقِـبْ مـايتمِّهْ

وفي هذين البيتين صور بلاغية في غاية الجمال والروعة والدقة، فهو يرى أن تشبيه محبوبه بالبدر تشبيه الأكبر بالأصغر؛ لأن البدر يبدأ هلالاً ثم يكتمل إذا انتصف الشهر، وبعد ذلك يبدأ نوره في التراجع والتناقص، ولا يستمر ذلك النور إلى آخر الشهر حتى يبدأ المحاق.


أما محبوب شاعرنا فيستمر جماله وبهاؤه إلى ما لا نهاية له ومن غير توقف ولا تناقص، ويراه دائماً هو الأجمل والأكبر والأعم، ومثل هذه العواطف الحميمية نقرأها في شعر المتنبي الذي كان يرى الشمولية في محبوبه سيف الدولة، وفي مرة قال لما مرض سيف الدولة:


إذا اعتلَّ سيف الدولة اعتلَّت الأرضُ
                 ومن فوقها والبأس والكرم المحـــــضُ
شفاك الذي يشفي بجودك خلقـهُ
                              لأنك بحرٌ كل بحر له بعُض


ونرى سموه في البيت الأخير يلخص حبه وشوقه لرؤية محبوبه، كما لخص وصفه في البيت الأول، فيقول:


أشـتاقْ لـكْ غـايبْ وحـاضرْ ومـوجودْ
                      وكــلِّ هـمِّـي كـيـفْ أنـا آصـيرِ هـمِّهْ

ويعود الشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في هذا البيت إلى نزعته الصوفية مرة أخرى، فيقول: أنت أيها المحبوب لا تغيب عن بالي أبداً، لأنك حاضر في مخيلتي، وموجود معي بصفاتك وشمائلك وخصالك الطيبة التي تجعلني أتمسك فيك أكثر وأكثر، لأنك تشبهني كثيراً وأشبهك كثيراً، فكأنه يستحضر في هذا الموقف قول الشاعر:


أنا من أهوى ومن أهوى أنا
                       نحن روحان حللنا بــدنا
فإذا أبصرتني أبــصرته
                         وإذا أبصرته أبصرتنا
أيها السَّائل عن قصــــــــــــتنا
               لو ترانا لم تفرق بيننــــــــــــــــا
روحه روحي وروحي روحه
                     من رأى روحين حلَّت بدنا

أقول للشاعر الكبير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: أحسنت يا سيدي في المفتتح وفي المختتم، وإننا في هذا الجو المشحون بالمنغصات، في أشد الحاجة إلى شعر رقيق وتعبير دقيق، وكلام عذب معسّل كالرحيق، ألا ومثله بالقراءة جدير وحقيق.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon