زايد.. ذكريات تعطّر أروقة مسجـــده العامر

واحد من ملايين وفدوا الى هذه الأرض الطيبة بحثاً عن الحياة الكريمة خلال العقود الماضية، رجل عاش في أبوظبي مطمئناً، يحظى بما لم ينله في أي مكان آخر يمتح من زلال العين الفايضة ومن حسن العشرة والمودة بين الناس ، وتمرّ عليه السنوات وخيالاته الشاسعة يمكنها أن تؤول إلى اخضرارات، ورغم طول الأمد، ما قال له أحد يوماً كفى، وهو الذي أخذت دار زايد بيده كما أخذت بيد بنيها، إذ كان تعليم الأبناء مجاناً، وعلاجهم مجاناً، حتى إذا شبّوا عن الطوق شباناً، فتحت لهم البلاد ذراعيها وأتاحت الفرص بلا من ولا أذى.. رجل كهذا يطلب منه أن يذهب ليقف على قبر زايد، طيب الله ثراه، ليقول بعفوية ما في قلبه وذكرياته، فما عسى أن يقول؟...

في الطريق إلى أبوظبي نتذكر الكثير الكثير، فمن أين نبدأ: لم يكن زايد قائد شعب، وإنما مبلور شعب، ولم يكن مغير وطن من حال إلى حال، وإنما صنع وطناً كبيراً وشهيراً، كما يفعل صائغ المجوهرات الذي يختار الثمين منها بالعدد المعلوم والميزان المرهف، ثم ينظمها، بتؤدة وعشق، وبفرح أيضاً، ولذا استمر هذا العقد النضيد، سبع دانات نواصع، ما انفكت تشع، يؤلف بينها، ما يؤلف بين القلوب الصافية، إلا من إخلاص وهدى وتقى محبة، ولذلك فزايد ليس مجرد قائد استثنائي جاد به الزمان، أو زعيم عظيم خرج بقومه من الظلمات إلى النور بفضل ربه... هكذا يتردد في صدر الرجل نغم من وحي الفقيد:

رعى الله ذاك الزمان

إذا كان زايدُ في قصرهِ

فزايدُ في الناس دوماً

يخالج أنفسهم و (يرمّسهم)

بسيطاً وفوق الخيالْ

ويكفيه أدخلنا كلنا جنةً في رمالْ

فزايد قد كان من حظنا كلنا

وزايد أذّن في الناس يوماً:

عيالي بنو آدم

فآووا إليه

يشيلون فوق الكتوف حبيباتهم

وزايد يبسم مثل القمرْ

هلا، مسهلةْ

من العُرب والغرب جاؤوا

من الماوراءِ

حفاةً عراةً

ومن كل فج صديقْ

لأجل الحياة

وزايد أذّن في الطير محشورةً

وفي العشب والماء حتى

وفي الكبرياءْ

فجئنا جميعاً نلبي النداءْ

هي الذكرياتُ

هي الذكرياتُ

زهورٌ لها زفَراتُ

أبو الكل

زايد لم يكن قسمة ونصيب الإماراتيين وحدهم، فالذين عاشوا وانتفعوا وازدهرت حياتهم هنا، أكثر من عديد شعب الدولة بأضعاف، وأما يده البيضاء التي امتدت بعيداً طوال عشرات السنين، شرقاً وغرباً، فقد أسبغت أكثر من مجرد صدقة عابرة تعطى لمسكين، فلقد أقام مشروعات ضخمة ومتلاحقة غيرت حياة مجتمعات كاملة في مشارق الأرض ومغاربها، غير أن الأهم من هذا كله، أن زايد أسدى للإنسانية أنموذجاً ودرساً كبيراً وواضحاً، على مستوى تأسيس الدول من الصفر، وإنجاز النماء والسلام والوحدة والتناغم بين الأشتات، في وقت قياسي ومذهل، لم يتأت لغيره من أفذاذ قادة الشعوب، وهو من تخرج من بادية العرب، متخلقاً بقيمها، فأخلص لها وجعلها نبراساً يهتدي به، كلما قيل له مستحيل.

لا بل إنه فعل ما فعل من معجزات دون أن يجرد سيفاً أو يقتل خائنا أو متقاعسا أو يسجن معارضاً، على نحو ما يفعل زعماء التغيير في كل مكان.

فقط بالعقل الذي حباه الله إياه والحكمة والموعظة الحسنة، وما توفيقه إلا بالله تعالى، لأنه مؤمن وصادق سبق الناس بشيء في قلبه يعلمه الله عز وجل، ولأنه صالح يريد خير البلاد والعباد. فبذل لذلك ماله وجهده وصبره وعمره في سبيل الغايات السامية، فكانت الأمثولة.

معمار مهيب

برك المياه الساحرة بأضوائها ونوافيرها الليلية المتلألئة، والحدائق الواسعة التي تحيط بالصرح الشامخ، خاصة واحة الكرامة المواجهة للجامع الكبير بما تحتويه من رمزية ومنحوتات فخمة، كل ذلك يلقي بظلال أنيقة تضيف الكثير إلى أبهة وبهاء مسجد الشيخ زايد الذي أعلن موقع «تريب أدفايزر» العالمي المتخصص في السفر والسياحة، اعتباره ثاني أبرز تصميم معماري على مستوى العالم، للعام الثاني على التوالي.

وهو رابع مسجد من حيث الحجم بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، ومسجد الحسن الثاني في المغرب.

المسجد بمناراته الأربع الشاهقة وقبابه العديدة، التي تمنحه خصوصية تميزه عن غيره من المساجد الشهيرة، فضلاً عن سجادته التي تعد نسيج وحدها لكونها قطعة واحدة ملتحمة رغم اتساع مساحتها، فضلاً عن الثريا المدهشة داخل القاعة الرئيسة للمسجد ذي القاعات الثلاث المخصصة للصلاة، ناهيك عن الأروقة الطويلة وكسوة الرخام وما عليه من نقوش تطال الجدران الممتدة والسقوف وحتى الأرضيات، كل ذلك جعله قبلة للسياح الذين يتدفقون أفواجاً إليه من مشارق الأرض ومغاربها ما يشكل أجواء من التسامح والتواصل الحضاري، إذ يقدم الجامع مثالاً للجمال المعماري والفني الإسلامي ينال إعجاب واحترام الشعوب المختلفة.

وهذا التزايد في أعداد الزوار يحتم توسيع الخدمات التي وفرت منها إدارة مركز جامع الشيخ زايد مكتبة متخصصة ومتجراً لعرض المشغولات الإسلامية والهدايا التذكارية التي تليق بالصرح الإسلامي العظيم.

يدخل الرجل قاعة الصلاة، يؤدي ركعتي تحية المسجد، ويصلي العصر، ويلحظ جمال حائط القبلة المزخرف بأسماء الله الحسنى والنقوش والتصاميم الباهرة التي أبدعتها أنامل الفنان الإماراتي محمد مندي الذي نعرف أنه من عشاق زايد ولذلك خرج هذا الإبداع على ما هو عليه من الجمال الأخاذ. فكم يا ترى يبلغ عشاق زايد على وجه الأرض؟ بل هل عرفه أحد ولم يحببه من القلب، ولوجه الله تعالى؟.

أهل الشيم

هذا زايد، الذي ما خفي منه كان دائماً أعظم وأجمل، وما خفي في قلوب محبيه تجاهه أيضاً أعظم وأبلغ مما يقال، والدليل على ذلك اتباع جميع شيوخ الإمارات أهل الشيم واعتزازهم به والتفافهم حول قيادته بمحبة منقطعة النظير، ولا يزال صداه يتردد في النفوس وتلهج به الألسن. رجل كهذا، يخرج من الجامع ليقف على ضريح زايد المجاور للمسجد، ليعبّر عن مشاعره، فما يملك سوى أن تتسلسل أدمعه. كل هذا حدث بحذافيره لكاتب هذه السطور.

كان شاعراً

يخطر لي أحيانا أن القائد حين يكون شاعراً، فسيكون مختلفاً، في الرؤى والإنجاز والسماحة ومحبة الناس له، وزايد كان شاعراً، جميل النفس والفؤاد رقيق الحاشية، ولذلك تمسك بالقيم النبيلة والمشاعر الإنسانية تجاه الناس، وقد كانت هذه العواطف الكريمة منطلقه، بينما عقله الوقاد ظل يضبط هذه المشاعر الفياضة ويوجهها نحو السداد بنور البصيرة والاستشراف الذي سبق به القاصي والداني.


معايشة

اللافت للنظر أن قدسية المكان وهيبته تلقي بظلالها على سلوك الأجانب الذين يزورون جامع الشيخ زايد بشكل متصل، فكثيراً ما ترى رجالهم وأطفالهم وهم يلبسون الزي الوطني الإماراتي، وكذلك تحتشم النساء الأجنبيات بملابس تراعي الثقافة الإسلامية، كما يمشون حفاة داخل صحن الجامع مع غض الصوت ومراعاة حرمة المكان خلال حركتهم وكلامهم والتقاطهم للصور التذكارية.

زايد لم يكن نصيب وأمل الإمارات والإماراتيين وحدهم
أسدى للإنسانية أنموذجاً ودرساً كبيراً في الخير والأخلاق
ما خفي منه كان أعظم وما أخفته القلوب تجاهه أجمل

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon