رسامة الرؤساء في مخيمات اللاجئين

صورة

أطلقت الشامسي حملة «الفن في خدمة الإنسانية» التي نفذتها العام الماضي في مخيَمي الزعتري والإمارات للاجئين السوريين في الأردن.

«كيف تعرّفين عن نفسك؟لاأحب أن أعرّف عن نفسي، أنتِ عرّفيني».

قد يختصر هذا الحوار مع سمر الشامسي صعوبة التعريف عن هذه السيدة الإماراتية التي تحملك خلال الحديث معها إلى عالمها الذي لا يمكن اختصاره بتخصّص أو اهتمام واحد، لا بل يجمع ما بين الفن التشكيلي والهندسة المعمارية والعلوم السياسية والأعمال والنشاطات الإنسانية والأدب والشعر.

خلال لقائنا في أحد فنادق دبي، لا يسعك إلا أن تتفاجأ بطلّة الشامسي المتميزة وشغفها عند الحديث عن أي من مشاريعها.

تخصصت الشامسي بالديكور والفنون الجميلة وحازت على ماجستير ودكتوراه في الهندسة المعمارية؛ أمر لم يمنعها من دراسة العلوم السياسية لعام ونصف قبل أن تتوقف وتتجه نحو القانون الذي تتخرّج منه قريباً بشهادة جامعية.

وهنا تخبرنا: «عندما غصت في عالم البورتريه وبدأت رسم الرؤساء وتنظيم المعارض الخاصة بهم، تعرفت على عالم البروتوكول والسياسة والترتيبات. حينها، شعرت أنه يجب أن أدخل العلوم السياسية.

ولكن، لاحقاً، أحببت القانون ووجدت أنني أستطيع أن أبدع من ناحية فنية وبطريقة مختلفة. أجد أن هناك ترابطاً بينهما؛ عندما تُرافعين أو تكتبين عن قضايا، تفكرين، بطريقة غير مباشرة، بأسلوب فني».

تروي الشامسي: «منذ صغري، كان الرسم هوايتي وطورته عبر الدراسة وبدأت أرسم الشخصيات والأطفال والطبيعة إلا أنني متخصصة بفن البورتريه»، حب طورته إلى تخصص وتُرجم بالعديد من الأعمال والمعارض التي انطلقت أولاً في الولايات المتحدة وأوروبا.

لا تُحب الشامسي المنحى الذي اتخذه الفن اليوم لاسيما بدمج التكنولوجيا. وتشرح لنا:«بدأ الفنانون بالرسم على الكمبيوتر وابتعدوا عن الموهبة الفنية التي تأتي بالفطرة. هذا يزعجني حتى لو كان فناً حديثاً. إلا أنني ما زلت أؤمن بأن الإمساك بالقلم أو الفرشاة، هذا الفن الحقيقي النابع من عدة مدارس عبر التاريخ».

ولكن مهما يكن الأسلوب الفني المعتمد، يبقى الإلهام أبرز ما يميّز الفنانين؛ إلهام يأتي الشامسي في أحلامها هي التي تخبرنا مبتسمة:«حلمي يدفعني إلى الرسم... أرى حلماً، فأطبّقه عبر لوحة أو عمل هندسي».

عندما تنظر إلى مجموعة لوحاتها، تجذبك ألوانها الفاتحة وأشكالها الهندسية ومواضيعها المتنوعة وواقعيتها.

الشامسي لم تُلقّب ب«رسامة الرؤساء» صدفة فهي التي وجدت اهتماماً كبيراً بالبورتريه، وتقول: «في البداية، رسمت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ثم شخصيات اخرى على المستوى المحلي وتلقيت دعوات رسمية كي أرسم رؤساء العالم».

وتخبرنا عن موقف حدث معها قائلة: «أثناء إسدال الستارة عن بورتريه الرئيسة الهندية السابقة براتيبا باتيل، تفاجأت بعدها بطابور من السفراء الذين وقفوا للحديث معي وطلبوا مني كل واحد رسم رئيس دولته».

الشامسي اشتهرت أيضاً بلوحتها «موناليزا العرب» التي بدأت أيضاً كباقي لوحاتها بحلم راودها. وتطلعنا «حلمت بصورة مرسومة وجاهزة بألوانها وقمت في منتصف الليل وكتبت الحلم.

في الصباح التالي، تبيّن لي أنها شبيهة من ناحية الألوان والجلسة بلوحة»موناليزا«للفنان العالمي ليوناردو دا فينشي وقررت أن أرسمها». وتتابع: «انتقدوني وقالوا إنني رسمت نفسي.. ما العيب في ذلك؟ الفنان بشكل عام يرسم مستوحياً من ملامح شخصيته من دون أن يدرك ذلك...وكان لا بد أن تكون ملامح هذه اللوحة عربية».

لا يقتصر حب الشامسي للفن برسم البورتريه وإقامة المعارض في مختلف مدن العالم، لا بل أيضاً بدمجه بالحملات الإنسانية.

تقول: «عندما أرى ما يحدث لأطفال العالم، أشعر أنني أريد تقديم شيء ما وأعتقد أن أفضل شيء هو العلاج بالرسم لأننا نحتاج إلى تلمس إنسانيتهم».

وتتابع «الأكل والكسوة والطب مؤمن وأنا حتى لو أردت تقديم هذه المساعدات لن أصل إلى مستوى المساعدات الحكومية أو المنظمات الإنسانية، عندما تقدمين الطب والكسوة والأكل للطفل، تساعدينه على أن يكبر ولكن لا تُلامسين أو تعالجين شخصيته..»

من هذا المنطلق أطلقت الشامسي حملة «الفن في خدمة الإنسانية» التي نفذتها على مرحلتين العام الماضي في مخيَمي الزعتري ومخيم الإمارات للاجئين السوريين في الأردن.

تضمّنت الحملة توزيع كتابها «ألواننا أحلامنا» لكلّ الأطفال؛ كتاب يضم رسوماتها الخاصة التي من خلالها تحاول أن تترجم ما يجول بخواطر الأطفال الذين يتطلعون إلى السلام والتعبير عما في داخلهم من آلام وآمال، ويحض الكتاب الأطفال على الرسم والتعبير عن معاناتهم إثر الحروب والعنف والدمار والتهجير.

عن هذه التجربة تخبرنا الشامسي:«»يوم دخلت المخيم، شعرت بأن عدوانية الأطفال نابعة من المشاكل والحروب والقتل والدمار. عادةً، تفرغين هذه العدوانية من خلال علاج نفسي ولكن أحياناً لا الطفل ولا الأهل يتقبلون أن يوصفوا بالمرضى النفسيين. فهذه الكتب تساعدهم على التفريغ وتساعدنا على بناء شخصية الطفل بطريقة صحيحة«.

وتتابع:»في المخيم الإماراتي، تفاجأت لأن الأطفال طبعوا لوحاتي ورسموها وأشعروني أنهم مسرورون بالزيارة. أما في مخيم الزعتري، فشعرت ببعض الريبة لدى الأطفال والتي انعكست على رسوماتهم فأحدهم كان ينفر مني في البداية ويرفض الكلام إلا أنه رويداً رويداً أصبح يحب الرسم وصار يتحدث معي ويقول لي: كيف أرسم علميني«.

هذه الحملة دفعت الشامسي إلى العمل على بناء مدرسة في المخيمات للتعليم والعلاج عن طريق الرسم.

هنا تشرح لنا الشامسي»بشكل عام كل إنسان يرى قلماً وورقة، يبدأ بالرسم تلقائياً...هذا تفريغ للطاقة السلبية وكأننا نشتكي للقلم والورقة«.

لا تصف الشامسي اهتمامها بالأطفال اللاجئين استغلالاً لقضيتهم كما يعتبر البعض لا بل تردّ قائلة:»أطفال سوريا كان لهم الأولوية وكان لا بد لي من أن أبدأ معهم. هذه الخطوة الأولى، وما زال لدينا الكثير من الكتب وسنوزّعها في مراكز في الإمارات، على الأرجح لأطفال التوحد لأن الرسم مهم جداً لهم«.

الطفل والتعليم قضايا عزيزة على قلب الشامسي إلى جانب المرأة وقضايا اجتماعية أخرى تعكسها في لوحاتها وفي المقالات التي تكتبها؛ حتى أنها أعدت كتاباً بعنوان»الحب مع الضحك«للتأكيد على أن الحب ليس دائماً مصحوباً بالحزن.

لا تكف الشامسي عن الكلام وتصحبك في زوبعة أفكارها ومشاريعها وطموحاتها حتى أنك تتساءل كيف تجد الوقت لتنفيذها إلا أنها تجيب ضاحكة:»في البيت، أنا أهتم يومياً بالطبخ وأمارس الرياضة وأعمل وأنفذ ما يدور في خيالي وأحضر اجتماعاتي وأخرج مع أصدقائي، أسوي كل شيء وبالطبع، أجد وقتاً لكل شيء حتى للنوم«.

هذه الفنانة الإماراتية التي لا تتردد في أن تصف نفسها بالمتمردة والعنيدة واجهت بعض الصعوبات»التي رميتها وراء ظهري«، كما تقول، ونجحت في الحصول على دعم أهلها وتقدير مجتمعها.

الشامسي تعمل على إعداد كتاب حول تاريخ الفنون وعلى تنفيذ تصميم مشروعها»مول الفنون«وعلى تطوير مدرسة العلاج بالرسم من دون أن ننسى مشاريع أخرى تتحفظ عن ذكرها قبل أن تُصبح حقيقة.

في نهاية اللقاء، نكتشف أن هذه السيدة الأنيقة هي مجرد انسانة مفعمة بالطاقة والحيوية والإيجابية، إنسانة تعشق ما تقوم به وتعطيه كل ما فيها من قوة لأنها تريد أولاً وأخيراً أن تترك بصمتها في العالم وأن تُساهم، ولو بجزء بسيط، في نشر ثقافة الفن والرسم.

تدعو الشامسي كل امرأة عربية»ألا تكبُت نفسها متى شعرت أنها تريد أن تقوم بشيء ما، لا من باب التمرد لا بل لإظهار أفكارها والسعي إلى التميز وتقديم ما يفيد المجتمع والعالم.

* متخصصة بالقضايا الاجتماعية

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon