المستشار يروي شهادته عن بدايات الاتحاد

محمد القدسي.. 34 عاماً في حضرة القائد المؤسس

كنا في الصغر نطلق على مدرس التاريخ «مفتاح سر التاريخ»، نظراً إلى غزارة معلوماته عن الحقب التاريخية التي كان يرويها لنا بأسلوب تشويقي، وقتها يسود الصمت، ولا تسمع إلا صوت الراوي، الذي تتغير نبرات صوته بتغير الأحداث وتتابعها، ولا نسمع ضجيجاً إلا عندما تنتهي الحصة، أتذكر وقتها كيف كنا نلتف حوله مستأنسين بالحكايات التي لا تزال إلى الآن عالقة في أذهاننا.

عندما التقيت المستشار الإعلامي، محمد القدسي، في مسكنه الكائن في أبوظبي، بدت الصورة كاملة أمامي، فما أن استقبلنا الرجل بهدوئه المعهود فتح لنا خزائن تاريخ بدايات دولة الاتحاد، حتى وجدت أننا أمام مخزون لا ينضب بالمواقف النادرة التي جمعته مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، طيلة 34 عاماً، يغطي خلالها معظم نشاطاته وجولاته، داخل الدولة وخارجها، ما مكنه من توثيق معظم الأحداث المهمة.

كما رافق القدسي الشيخ زايد في أطول زيارة قام بها المغفور له، لكافة إمارات الدولة، استمرت 37 يوماً، للإشراف على المشروعات التنموية التي كانت تقام في كل القطاعات وذلك في 1973، للتعرف عن قرب إلى أوضاع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم.

بدأ القدسي حياته المهنية مع تلفزيون أبوظبي في يوم 6 أغسطس عام 1969 والذي صادف الذكرى الثالثة لتسلم المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم.

ولطبيعة عمله من خلال الشاشة فقد كان على صلة قريبة من كافة الأحداث المتلاحقة التي حفلت بها تلك الفترة، إذ كان له شرف تغطية إعلان قيام دولة الإمارات، ورفع رايتها يوم 2 ديسمبر عام 1971، وما تبع ذلك من بناء لمؤسسات الدولة.

وبتكليف من ديوان الرئاسة قام بإعداد وتقديم أول فيلم وثائقي حول الاتحاد «الشروق» عام 1974 أجريت عملياته الفنية في ألمانيا، ونال إعجاب الوالد الراحل لدى مشاهدته، ومع بدء تنفيذ مشروع تشجير الصحراء الذي كان الشغل الشاغل للمغفور له الشيخ زايد، انطلق القدسي في تغطية جوانب هذا المشروع المعجزة في مئات الحلقات المصورة «الغصن الأخضر وبلادنا الجميلة» مع توثيق عدد كبير من المشاريع والمؤتمرات والمهرجانات والمعارض.

«البيان» التقت محمد القدسي وكان معه الحوار التالي:

عاصرت قيام اتحاد الإمارات؛ نرجع معك بالزمن إلى الوراء، حيث البدايات، وقيام ميلاد الاتحاد، فكيف يتراءى المشهد أمامك الآن بعد ما يقارب خمسة وأربعين عاماً؟

صورة دولة الإمارات العربية المتحدة بعد مرور 45 عاماً على قيامها تجسد الهدف الذي قامت من أجله، وهو تحقيق الرخاء لشعبها، واللحاق بدول كثيرة سبقتنا في ميادين التطور بكافة أشكالها، وأصبحت صورتها اليوم تنافس مجتمعات كثيرة في مظاهر الحياة العصرية بل إنها سبقت الكثير من الدول في هذا المجال.

جئت إلى أبوظبي في عام 1969؛ أي قبل قيام الاتحاد كيف كانت أبوظبي في ذلك الحين، وكيف تحولت برؤية القائد الراحل الشيخ زايد إلى ما هي عليه الآن من تقدم وحضارة؟

مع وصولي إلى أبوظبي في أوائل عام 1969 كانت الإمارة بمثابة بلدة صغيرة ليس فيها مطار دولي، وعماراتها تعد على أصابع اليد، وفيها سوق قديم فيه محلات متناثرة إلى جانب عدد قليل من المدارس، مع عدم وجود وسائل للصرف الصحي وطريق الكورنيش رملي من دون سور أو حواجز، وقد تغيرت الصورة بالكامل عام 1980 مع تواصل التطوير الذي حرص عليه الشيخ زايد، رحمه الله، إلى أن أصبحت على صورتها المتألقة التي نراها عليها اليوم، وقد سبقت مدناً كثيرة في منشآت الخدمات والإنتاج والأسواق والمواصلات من مطارات وموانئ.

شاهدت إشهار تلفزيون أبوظبي، وكنت أول مذيع تلفزيوني فيه، وأحد مؤسسي هذا الصرح الإعلامي الإماراتي، كيف كانت البدايات ومراحل التطوير، وما هي رؤية المغفور له الشيخ زايد في ترسيخ إعلام وطني يصون مكتسبات الوطن، ويحافظ على منجزاته.

بداية الإعلام كانت بسيطة ومتواضعة، وكان هناك دائرة الإعلام والسياحة، وهي التي أنشأت إذاعة أبوظبي عام 1968، تبعها بدء صدور جريدة الاتحاد في شهر أكتوبر 1969، وكانت أسبوعية، وتطبع في بيروت.

ثم جاء افتتاح تلفزيون أبوظبي في شهر أغسطس عام 1969 من قبل شركة بريطانية، ولم يكن هناك وكالة أنباء بعد، وكان بث الإذاعة محدوداً وبث التلفزيون أيضاً بسيطاً.

وقد افتتح التلفزيون صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وكان ولياً للعهد وقائد قوة دفاع أبوظبي آنذاك، ومع اكتمال تجهيز التلفزيون الملون والانتقال إلى موقعه الحالي زار الشيخ زايد رحمه الله، التلفزيون وسر كثيراً بجولته فيه، وبدأ بعدها بناء كافة مرافق العمل الإعلامي، مثل وكالة الأنباء، وتعزيز تكنولوجيا وكوادر العاملين في الإذاعة والتلفزيون.

هل تتذكر زيارات ميدانية قام بها الراحل الشيخ زايد لمختلف إمارات الدولة؟

طبيعة عملي كانت تتطلب متابعة وتغطية أخبار الشيخ زايد يومياً، ومع بناء أبوظبي الحديثة كانت نشاطاته بشكل شبه يومي من افتتاح طرق وجسور ودفعات مساكن شعبية، ومدارس ومشافٍ، وأسواق ومطار وميناء، إلى جانب الاجتماعات المتواصلة مع إخوانه حكام الإمارات لتحقيق الأمل بتوكيدها، يضاف إلى ذلك زياراته لإمارات الدولة، والزيارات الخارجية، وحضوره المؤتمرات الإقليمية والعربية والدولية، وكان حريصاً على معرفة أداء الإعلام لدوره على أكمل وجه، وكان أهم شيء في عملي تغطية فعالياته وتحركاته وأخذ تصريحاته وتعليقاته وتمريرها للتلفزيون وقراءة النشرة الإخبارية وفق الجدول الذي كنت أضعه لمذيعي النشرة، وهذا الجانب جعلني قريباً جداً من المغفور له الشيخ زايد، إن كان محلياً أو خارجياً، حيث أتيحت لي الفرصة لتغطية تواجده في اجتماعات حكام الإمارات لمتابعة قيام الاتحاد ومؤتمرات القمة العربية والإسلامية وعدم الانحياز.

رافقت الشيخ زايد رحمه الله في جولاته بمدن وقرى وجبال وسفوح الإمارات، كيف كانت مجالسه مع المواطنين، اذكر لنا قصصاً حية حدثت بينك وبين المغفور له الشيخ زايد؟

كانت منتهى سعادة الشيخ زايد، رحمه الله، تتجلى في لقاءاته بأبنائه المواطنين في أي موقع كانوا؛ في مدرسة أو حفل أو في تنقله بين الإمارات أو في استقبالهم في مجلسه والأعياد وفي حلقات العيالة أو رحلات الصيد بالصقور، وكانت تلك فرص ليستمع إليهم، ويتعرف إلى حاجاتهم ويلبي مطالبهم، وأذكر أنه كثيراً ما كان يشير إليّ لأجلب ميكروفون الكاميرا الذي أحمله بيدي قريباً من مواطن يتحدث إليه في طلب أو مساعدة، وفي جولاته خارج أبوظبي كان أحرص ما يكون على إرسالي الشريط الذي صورناه عن جولته أو زيارته في نفس اليوم إلى أبوظبي لسماعه في اليوم ذاته بما يسمح للمواطنين بمتابعة هذه الزيارة.

وقد رافقت الشيخ زايد في أطول زيارة قام بها، لكافة إمارات الدولة، استمرت 37 يوماً، كان خلالها يشرف على المشروعات التنموية التي كانت تقام في كل القطاعات وذلك في 1973.

أنجزت 380 فيلماً وثائقياً عن مشروعات عدة في الدولة، منها فيلم وثائقي خاص عن جزيرة دلما في عام 2004، فما هو أبرز مشروع دشنه الشيخ زايد وكان بطل أفلامك؟

بطلب من الشيخ زايد، رحمه الله، كنا نتابع نجاح عملية تشجير الغابات في مراحلها المتتالية في منطقة العين والمنطقة الشرقية والغربية وليوا، وكثيرا ما كان يزودني ببعض المعلومات الخاصة بالنباتات ويطلب إدراجها في تعليقي، وقد بلغ جملة ما كتبت وسجلت التعليق عليه من أفلام تسجيلية قرابة 380 فيلماً.

ومن حرصه على متابعة ما كانت تصل إليه المشاريع من تطور ونجاح كان يطلب تصوير مواقع محددة لأنه كان يرى في الفيلم ما لم يراه بالعين المجردة.

وقبل وفاته، رحمه الله، بأسبوع سألنا: ما أخبار دلما؟ وفي اليوم التالي توجه الأخ محمد الخالدي إلى الجزيرة وصورها، وكتبت وعلقت على الفيلم، الذي تم تسليمه لأحد أبنائه، وبعد الوفاة قيل لنا إنه شاهد فيلم جزيرة دلما، وكان مسروراً جداً.

قرأتَ عبر الإذاعة الإعلان الرسمي عن قيام الدولة؛ الآن نريد أن نسمعه منك استرجاعاً للزمن، وحتى يكون ملهماً للشباب الذين لم يعاصروا تلك الحقبة؟

الإخوة المواطنون في كل مكان بدولة الإمارات العربية المتحدة.. السادة مشاهدي تلفزيون الإمارات الذي كان حتى صباح هذا اليوم تلفزيون أبوظبي.

أحييكم تحية صادقة من ساحة قصر الجميرا في دبي، حيث ارتفع اليوم الخميس 2 ديسمبر عام 1971 ولأول مرة، خفاقاً وإلى الأبد، بإذن الله، علم الاتحاد؛ علم دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أعلن قيامها اليوم في جلسة تاريخية جمعت أصحاب السمو حكام الإمارات، إثر جهود حثيثة من أصحاب السمو ومعهم الشيخ زايد امتدت لألف وثلاثمائة وأربعة وثمانين يوماً حتى شاهدوا هذا النصب يرتفع خفاقاً في سماء الإمارات ولأول مرة وإلى الأبد بإذن الله تعالى.

«زايد.. ثالث العُمَرَين».. عبقرية استثنائية في القيادة

لم يكتفِ الإعلامي، محمد سعيد القدسي، بالصورة المرئية لتسجيل كل جولات ونشاطات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه على مدار 34 عاماً، بل قام بتأليف كتاب أهداه لكل من يعشق المغفور له، وسماه «زايد.. ثالث العُمَرَين».

وحول الكتاب يقول القدسي: ليس هناك في التاريخ الحديث أو المعاصر نموذج للحكم والقيادة يمكن أن يشبه حكم القائد الراحل الشيخ زايد رحمه الله، ولو تعمقنا في تاريخنا العربي والإسلامي تحديداً لوجدنا أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين الأسلوب والأداة التي ساس بها شعب الإمارات، وما قام به السلف الصالح، مع الأخذ في الاعتبار الإمكانية التي توفرت له، رحمه الله، والتي جعلته يتجاوز ما فعله كثيرون لقلة مواردهم آنذاك، غير أن الإحساس بمسؤولية الراعي نحو رعيته ومساءلته أمام الله سبحانه وتعالى كان العامل المشترك فيما بينهم.

وإذا كانت العبقرية لا تخرج في معناها عن التفرد والسبق والابتكار، فكل هذه الصفات تجمعت في شخص الشيخ زايد رحمه الله، لأن تاريخه زاخر بقوة بتلك المعاني.

وقد جمعت أغلب هذه المعاني الإنسانية في كتابي «زايد.. ثالث العُمَرَين» وقلت في إهدائه: إلى روحه الخالدة بيننا من خلال كل ما تقع عليه أعيننا وتنبض به قلوبنا وتسعد به نفوسنا. أوفى الناس.. وأعز الناس وأعظم الناس... إلى الروح الطاهرة للوالد.. الشيخ زايد.

مرتكزات إنسانية

ويعتبر التكوين الروحي لدى الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الأساس في نظرته لشعبه ووطنه وأشقائه وأصدقائه وتعامله مع كافة الأمور والقضايا والأزمات.

فقد كان يعتبر نفسه الوالد لشعبه، ورب الأسرة الكبيرة، وعليه أن يلبي كافة متطلباتها، وهو هنا يقتفي خطى السلف الصالح في ميادين العدل والبر والإحسان والإحساس بالمسؤولية عن كل واحد من أفراد رعيته.

قد كانت فلسفته في الحكم رحمه الله، أنه الراعي المسؤول عن رعيته كافة، امتد ذلك ليشمل إخوة وأشقاء وأصدقاء في المجتمع الإنساني كله.

ومن هنا تبرز الصفة البارزة الأخرى في صفاته وهي الشمولية التي انطلق من خلالها، لا يترك صغيرة ولا كبيرة، إلا وفاها الاهتمام، وقدم خيرها لأبناء شعبه.

وتلك الصفة تفضي إلى صفة أخرى وهي التفرد بالتعامل مع هذه الجوانب التي لم يطرقها آخرون قبله لسبب أو لآخر، غير أن الله سبحانه وتعالى ألهم الشيخ زايد، رحمه الله، أن يعكف عليها ويستنبط الخير منها لشعبه وللشعوب الأخرى قدر استطاعته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات