ريبورتاج

جنين.. حكاية وتاريخ

ت + ت - الحجم الطبيعي

شكّلت مدينة جنين الفلسطينية نقطة التقاء بيئات ثلاث: جبلية متفرعة عن سلسلة جبال نابلس، وسهلية منبثقة عن مرج ابن عامر وسهول أخرى، وغورية تنتمي إلى غور الأردن. وبهذا كانت مركزاً لتجمع طرق المواصلات القادمة من نابلس والعفولة وبيسان، وصارت تربط الطرق بين حيفا والناصرة في الشمال ونابلس والقدس في الجنوب.


منذ أن أنشأها الكنعانيون عام 2450 قبل الميلاد، سموها (عين جانيم) ومعناها عين الجنائن، لكثرة الجنائن والبساتين فيها، وهي راوية للتاريخ والحكاية، وقد ارتبط اسم المدينة بمرج بن عامر، وهو أخصب بقاع فلسطين، وحوّل الرومان اسمها إلى (جينا)، ثم أصبح اسمها في عهد الفتوحات الإسلامية (جنين).



فيما بعد شكلت المدينة حلقة الوصل التجارية بين مدن بيسان ومجدّو ودوثان، وجنين مدينة قديمة ورد اسمها في الوثائق المصرية القديمة والبابلية والآشورية، وفي التوراة والإنجيل، وهي واحدة من المدن العتيقة، ولا يضاهيها في القدم إلا أريحا ونابلس والقدس ودمشق، ومدينة صيدا في لبنان.

ولمدينة جنين التي ترتفع نحو 250 متراً عن سطح البحر مكانة خاصة، ترتبط في الذاكرة بأحاديث الآباء والأجداد.



جولة في رحابها

في البلدة القديمة ثمة بوابة مقوسة كبيرة فوقها تقع مكتبة البلدية الأثرية. درجات حجرية عتيقة تفصل بين محلات مترامية على اليمين وعلى اليسار، معظمها محلات عطارة وأدوات تموينية. رائحة الزنجبيل والزيوت العطرية تملأ سوق السيباط. السبعيني بسام المعاني، وهو صاحب محل للعطارة، قال إن سوق السيباط أقدم سوق في المدينة، تم بناؤه في الحقبة العثمانية وله 5 منافذ، و(السيباط كلمة عربية معناها بناء كبير مسقوف له طريقان للدخول وللخروج). وقد امتد سوق جنين القديم منذ أواخر العهد المملوكي من جامع جنين الكبير القديم الذي أنشأته فاطمة خاتون (ابنة محمد بك بن السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري، وزوجة الصدر الأعظم البوسني لالا مصطفى باشا، عاشت خلال القرن السادس عشر)، حتى الحمام القديم والمضافة العامة التي تحولت فيما بعد إلى مسجد ثان هو الجامع الصغير، فأقامت المذكورة بـين الموقعيْن عشرين دكاناً لتلبية حاجات المسافرين من وإلى القدس عبر جنين.



انتشرت في السوق أواخر القرن الـ 19 وبدايات القرن الـ 20 مهن وحرف عديدة منها: السرّاج (وهو الشخص الذي يصنع فراشاً خاصاً يوضع على الدواب للركوب عليها)، الخياط العربي، صانع الأحذية (الكندرجي)، المبيَض (النحاس)، الحلّاق (وكان يقوم بدور الطبيب في معالجة الأسنان وحساسية الجلد وختان الأولاد)، الحدّاد، السمكري، نجار المحاريث (يصنع أدوات حراثة للدواب من الخشب)‎، المنجّد، العطار (وكان يقوم مقام الصيدلاني)، الحلواني، الفرَان، العشّي (صاحب المطعم)، والمكاري (وهو مؤجر الدواب).



جامع فاطمة خاتون

يمضي السبعيني أبو رمزي صبيح، وهو مدرس متقاعد نحو 4 ساعات يومياً في الصلاة وقراءة القرآن وكتب التفسير بالمسجد الذي تعلق به منذ طفولته. جامع فاطمة خاتون هو الأشهر والأقدم في المدينة، تحكي حجارته حكايات مئات السنين، استمد المسجد اسمه من فاطمة خاتون، نظراً لأنها هي التي أمرت ببنائه، عندما مرت من جنين، ليكون مقصداً للعبادة والعلماء، وملتقى للمسافرين. افتتح المسجد عام 1566، في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، ويعرف أيضاً باسم «المسجد الكبير» ويضم مكتبة كبيرة تحتوي على نحو 4 آلاف كتاب، ومصلى للسيدات، كما أن للمسجد مئذنة في الجهة الجنوبية، وتم تجديده مرات عدة.



تذكار للطيارين الألمان

هناك النُصب التذكاري الألماني لطيارين سقطوا خلال الحرب العالمية الأولى. مكان صغير لكنه بات من أبرز معالم المدينة، يستلقي النصب التذكاري الألماني باسترخاء في مدخل المدينة الشمالي. وقرب شارع حيفا تحفظ الحجارة البيضاء ذكرى أحد عشر جندياً ألمانياً قضوا العام 1917، في معارك بين الطائرات الفرنسية والبريطانية من جهة والألمان والعثمانيين من الجهة الأخرى.



في الجهة الغربية من الضريح، تصمد عبارة بالخط الأسود، في مهمة تقديم تعريف بالمكان، فيما تروي بقايا مروحية القصة على طريقتها، فهي تدور كلما عبث بها الهواء.


تل تعنك


على بعد 8 كم شمال غرب جنين، يتربع معلم أثري مهم من التاريخ الكنعاني، ويعتبر من أقدم المواقع الأثرية في فلسطين. يشبه لوحة فنية غاية في الدقة والجمال، إنه «تل تَعْنَك». و«تعنك» قرية لا زالت قائمة إلى اليوم وتحوي آثاراً كنعانية مختلفة، منها ما يسمى بمنطقة «السرايا» التي تتربع على منتصف التل، وهناك بقايا من بعض الآثار تدل على ذلك، وكانت تعرف بمركز المدينة أو ما يسمى بـ «المملكة العثمانية».



 ثمّة مغائر محفورة بالأرض تحتوي على غرف مقوسة بالداخل، ولكل غرفة باب خاص، حيث كانت تستعمل تلك الغرف للسكن وكمقابر للأموات، أما الكهوف فكانت تستخدم كإسطبلات للأحصنة وتربية الأغنام وتخزين الغذاء والأعلاف.



نفق بلعمة

على المدخل الجنوبي لجنين، مكان يحمل بين طياته تاريخاً عريقاً يمتد إلى الحضارة الكنعانية. هنا نفق بلعمة المائي، أطول الأنفاق المائية الأثرية في فلسطين، وتمتد جذوره عبر آلاف السنين. مدير مكتب وزارة السياحة والآثار في جنين خالد ربايعة، يقول إن اكتشاف النفق كان صدفة عام 1996 خلال حفريات بالمكان. ويتشكل النفق من ثلاثة أجزاء: المدخل المقبّب، والجزء المدرّج الصاعد المقطوع من الصخر، ثم الممر الضيق المبني من الحجارة. ويبلغ طول القسم المستكشف حتى الآن 115 متراً مقطوعة في الصخر و57 درجة.

ويوجد للنفق ثلاثة مداخل، وهو مزود بنظام للإضاءة عبارة عن فتحات بالصخر لوضع الأسرجة عليها. وأظهرت التنقيبات الأثرية مكونات النظام المائي في القسم السفلي الذي يتشكل من خزان ماء كبير وحوض مقطوع في الصخر وأحواض لجمع الماء عند المدخل.



ولفت ربايعة إلى المكانة التاريخية التي تتمتع بها محافظة جنين بسبب الموقع الاستراتيجي والمعالم الأثرية والدينية فيها، والتي تزيد على 400 موقع، وإلى الحركة السياحية النشطة خلال العقد الأخير، لكنها تراجعت مؤخراً بفعل جائحة كورونا التي ألقت بظلالها الوخيمة على الحركة السياحية في جنين خاصة وفلسطين عامة.

طباعة Email