ريبورتاج

دونيتسك ولوغانسك مدينتان في قلب العاصفة

ت + ت - الحجم الطبيعي

دونيتسك ولوغانسك.. من هنا قد تبدأ نُذر تغيرات جوهرية في خريطة العالم الجيوسياسية، وقد تندلع نيرانٌ سيكون من الصعوبة بمكان إطفاؤها على نحو سريع أو السيطرة عليها دون أن تتفاقم تبعاتها بشكل أو آخر لتطال نقاطاً مختلفة حول العالم.

منطقتا التوترات الكبرى والمتسارعة، والتي تتصدران المشهد حالياً على خلفية التطورات في أوكرانيا، وإطلاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عملية عسكرية وقبلها اعتراف روسي بالجمهوريتين المعلنتين من طرف واحد في كل من دونيتسك ولوغانسك، شرق أوكرانيا، بما تتمتعان به من أهمية جيوسياسية لروسيا.

تاريخٌ طويلٌ من التطورات المفصلية والحاسمة شهدته المنطقتان مروراً بحقبة الاتحاد السوفييتي وصولاً إلى الإعلان الروسي عنهما جمهوريتين مستقلتين وما أعقب ذلك من تطورات وضعت العلاقات بين روسيا من ناحية وأوكرانيا، والغرب على الجانب الآخر على مرجل يغلي.

ولعل أبرز تلك التطورات الفاصلة كانت في العام 2014، بعدما تمكن الانفصاليون في المنطقتين من السيطرة عليهما وإعلان جمهوريتين من طرف واحد بعد استفتاء أجري في مايو من العام ذاته، عقب الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش.

وفي 2014 اشتعل فتيل أزمة الحرب الأهلية في إقليم دونباس بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم شمال البحر الأسود، إذ اشتعلت حينها الأجواء في دونيتسك ولوهانسك وسط مطالب بالحكم الفيدرالي، وتمكن متظاهرون في لوهانسك من اقتحام مبنى الإدارة الرئيسي ورفعوا العلم الروسي هناك، ليبدأ صراع مسلح بين الانفصاليين والقوات الحكومية، لم ينته بإعلان الانفصال بعد ذلك.

واعترفت روسيا أخيراً وعلى وقع تصاعد حالة التوتر بينها وأوكرانيا، بالمنطقتين جمهوريتين مستقلتين، كما تم نشر قوات روسية في المنطقتين بعد الإعلان، ما دفع أوروبا والولايات المتحدة لإعلان فرض عقوبات على روسيا، لتطلق موسكو عملية عسكرية خاصة تبعها أيضاً عقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا.

أكبر المدن

تقع المنطقتان في إقليم دونباس، شرق كييف، وتُعتبران من أكبر مدن أوكرانيا، وتحظيان بأهمية اقتصادية وثقافية، فضلاً عن موقعهما الاستراتيجي على الحدود مع روسيا. وتقع دونيتسك على نحو 4.4% من مساحة أوكرانيا وتحديداً بمساحة تبلغ حوالي 26.5 ألف كيلومتر، وإلى الشرق منها روسيا، وبحر آزوف جنوباً، ومنطقتا لوغانسك وخاركيف شمالاً، وإلى الغرب زوبوريجيا ودنيبروبيتروفسكا.

الإقليم المقسم إلى 18 نطاقاً ويضم 52 مدينة و131 بلدة، والذي يصل عدد سكانه إلى نحو 4.3 ملايين نسمة، مدينته الرئيسية هي «مدينة دونيتسك»، والتي تمثل عاصمة الجمهورية المعلنة من قبل الانفصاليين عن أوكرانيا في 2014 ومعقلهم الأساسي، بعد نجاح الحكومة الأوكرانية في السنوات الأخيرة على وقع العمليات العسكرية التي قامت بها بحصرهم في المدينة وإجبارهم على ترك مدن أخرى بالإقليم.

وحملت المدينة التي أُنشئت في العام 1869 اسم «يوزوفكا» في البداية نسبة إلى حاكمها آنذاك، قبل أن يتم تغيير الاسم في العام 1924 ليطلق عليها اسم «ستولينو» تأسياً بالزعيم السوفييتي جوزيف ستالين. وفي العام 1961 أطلق عليها اسمها الحالي. وتعد دونيتسك خامس أكبر مدن أوكرانيا، وذات أهمية اقتصادية لاحتضانها أكبر مناجم الفحم الحجري والحديد والصلب في البلاد.

وتحظى المدينة بأهمية خاصة في عالم الرياضة، انطلاقاً من الشهرة التي يحظى بها ملعب «شاختار» والفريق الذي يحمل الاسم نفسه، وهو الملعب الذي سبق وأن احتضن مباريات مهمة بكأس الأمم الأوروبية في العام 2012، فضلاً عن الأهمية الثقافية والفكرية التي تحظى بها المدينة لاحتضانها عدداً من المسارح والمعارض والجامعات التي يأتي إليها الطلاب من داخل وخارج أوكرانيا.

وفي أقصى شرق أوكرانيا تقع لوغانسك، بمساحة تبلغ 26 ألف كيلومتر وتحيط به روسيا من ثلاثة اتجاهات، شرقاً وشمالاً وجنوباً. وتضم المنطقة 37 مدينة و109 بلدات، فيما تمكّن الانفصاليون ومنذ العام 2014 من السيطرة على مناطق رئيسية عدة فيه، قبل أن تتمكن القوات الأوكرانية خلال السنوات الأخيرة من حصرهم في مناطق محددة، من بينها مدينة لوغانسك.

وتعتبر لوغانسك الواقعة في جنوب شرق الإقليم، المدينة الأساسية في الإقليم بعدد سكان مليون ونصف المليون نسمة. وتأسست المدينة التي تعد اليوم واحدة من أكبر المدن في أوكرانيا في العام 1795 لتكون مصنعاً كبيراً حتى العام 1882، ثم ما لبثت وتوسعت لتتحول لاحقاً إلى مدينة أطلق عليها اسم مدينة «فوروشيلوفغراد»، إلى أن تغير اسمها في العام 1958.

وضعية خاصة

وتسيطر الجمهوريتان المعلنتان من طرف واحد على نحو ثلث أراضي منطقتي دونيتسك ولوغانسك، واختارتا الروبل الروسي عملة رسمية بديلة عن الهريفنيا الأوكرانية. وقدّرت الأمم المتحدة كلفة المعارك التي دارت بين الانفصاليين والقوات الحكومية في المنطقتين بحوالي 40 ألف قتيل، في الوقت الذي اعتبرت فيه السلطات الأوكرانية الجمهوريتين المذكورتين على أنهما «تنظيمين إرهابيين»، وشنت عمليات عسكرية ضدهما، ما أدى إلى دمار واسع، حتى دخول الصراع إلى مرحلة جديدة بين الطرفين، بعد جهود دبلوماسية.

واستندت هذه المرحلة على أساس «اتفاقيات مينسك» بمشاركة أوكرانيا وروسيا والجمهوريتين المذكورتين، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، في العام 2014 ثم في العام 2015، لوقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بوضع خاص للمدينتين ووضع خارطة طريق لحل الأزمة، إلا أنّ الاتفاقات لم تنجح عملياً في وقف القتال، بينما يُنظر إليها إلى الآن باعتبارها الأساس لأي حل مستقبلي لوضع المنطقتين. ظلّت موسكو تقدم دعماً سياسياً واقتصادياً وحتى معنوياً للجمهوريتين، حتى أنه في أبريل من العام 2019 أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يقضي بتسهيل حصول سكان المدينتين على الجنسية الروسية. وأحدث القرار الروسي الأخير الاعتراف بالجمهوريتين زلزالاً في الأوساط الأوكرانية والأوروبية، بلغ صداه العالم وينذر بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية برمتها.

طباعة Email