أرلينغتون.. شاهد التاريخ الأمريكي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

على تلة توفر واحدة من أوضح الإطلالات على العاصمة الأمريكية واشنطن، ثمة مكان يحكي تاريخ الولايات المتحدة؛ منزل أرلينغتون، الذي يزوره كل عام أكثر من أربعة ملايين شخص، يحضرون خدمات المقابر والاحتفالات الخاصة لتكريم المحاربين القدامى والشخصيات التاريخية.

قام جورج واشنطن بارك كوستيس، حمو الجنرال روبرت لي قائد جيش الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأمريكية، ببناء منزل أرلينغتون، كمنزل خاص به، بالإضافة إلى نصب تذكاري لجورج واشنطن، جده.

على امتداد التاريخ الأمريكي، نحو ثلاثة قرون، هناك شهود وشواهد على ما كان يعتري المجتمع الأمريكي من صراعات وانقسامات وحرب أهلية وثورة، وصولاً إلى الصورة الحالية للاتحاد في المصالح بين الولايات.

ومن بين المقاطعات التي شهدت محطات مختلفة ومثيرة، مقاطعة أرلينغتون في ولاية فيرجينيا، القريبة من العاصمة واشنطن، وفيها العديد من المؤسسات المهمة، مثل مقر وزارة الدفاع «البنتاغون»، إضافة إلى شركات كبرى.

هذه المقاطعة، كانت شاهدة عيان على الحرب الأهلية الأمريكية (1861 - 1865)، بين جيش الاتحاد في عهد الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، أبراهام لينكولن، والذي كان تتبعه 23 ولاية أمريكية شمالية، وجيش الكونفدرالية، بقيادة الجنرال روبرت إدوارد لي، الذي كان يقاتل مدافعاً عن انفصال ولاية فيرجينيا، ومعها 10 ولايات أخرى، معظمها في الجنوب.

أما سبب اندلاع الحرب، فهو دعوة لينكولن لإلغاء العبودية، ورفض الولايات الجنوبية ذلك، بسبب اعتماد أصحاب الأراضي على العبيد في الزراعة. لكن في النهاية، هزم الجنرال لي أمام جيش الاتحاد، بعد أن خدم أكثر من 30 عاماً في الجيش، شارك خلالها في حرب المكسيك، كما حقق العديد من الانتصارات.

ويعتبر الجنرال روبرت لي، من أكثر الشخصيات العسكرية الأمريكية إثارة للجدل، فقد كان الوحيد الذي تم تكريمه، رغم أنه قاد جيشاً ضد الولايات المتحدة، لكنه سعى بعد انتهاء الحرب، وحتى وفاته عام 1870، إلى تعزيز السلام، ولم شمل الأمريكيين، ما جعل منزل أرلينغتون، بمثابة النصب التذكاري له.

ورغم تجريده من ألقابه العسكرية، فقد قامت الحكومة الأمريكية، سنة 1975، برد الاعتبار للجنرال لي، بعد أكثر من مئة عام، حيث وقّع الرئيس الأمريكي الأسبق، جيرالد فورد، على مرسوم بالعفو عن لي، ليعيد لاسمه الحقوق التي جرد منها، وتم ذلك في منزل أرلينغتون، وعلى نفس المكتب، حيث كان يجلس لي.

وتوفي الجنرال لي عام 1870، بعد خمس سنوات من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية واستسلامه، حيث احتلت قوات الاتحاد، المنزل الذي عاش فيه، ومعه زوجته حفيدة مارثا جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة.

منزل أرلينغتون

يقع هذا المنزل الفخم، مرتفعاً على تلال تطل على العاصمة الأمريكية، حيث يمكن مشاهدة بعض الرموز الخاصة بها من أمام المنزل، مثل قبة مبنى الكونغرس الشهيرة، ونصب واشنطن التذكاري، وهما قريبان من البيت الأبيض.

استمر بناء المنزل ما بين عامي 1808 و1818، كأول نصب تذكاري لجورج واشنطن. ففي عام 1778، اشترى جون بارك كاستيس، وهو ابن كل من مارثا واشنطن، وأول زوج لها، وهو دانييل بارك كاستيس، نحو 1100 فدان من أراضي شمالي فيرجينيا. وفي عام 1802، ورث ابنهما جورج واشنطن، بارك كاستيس- أول حفيد بالتبني للرئيس جورج واشنطن- المنزل، الذي كان يعرف آنئذ بـ «جبل واشنطن». وقرر كاستيس، أن يبني منزلاً فخماً على الطراز اليوناني، كمقر إقامة له، ومكان لعرض مجموعته الضخمة مما ورثه من الرئيس جورج واشنطن، من الأثاث والفضيات والتحف الصينية واللوحات الفنية العائلية.

وحين ورثت عائلة لي الضيعة عام 1857، كانت تضم 196 عاملاً من المستعبدين، ممن كانوا يعيشون ويعملون في الزراعة. وفي تلك الضيعة الزراعية، تم بناء بيت أطلق عليه «منزل أرلينغتون»، وقد بناه العمال المستعبدون من أصل أفريقي. وعاش في هذا المنزل، جورج واشنطن بارك كاستيس، وزوجته ميري لي فيتزهيو، حتى وفاتهما عامي 1853 و1857، على التوالي، ودفنا في مقابر أرلينغتون.

أما الابنة الوحيدة لكاستيس، وتدعى ميري آن راندولف كاستيس، فتزوجت صديق طفولتها، روبرت إدوارد لي، وهو ابن عمها، وقد عمل ضابطاً في الجيش الأمريكي، وتدرج في المناصب العسكرية، حتى اختير قائداً لجيش الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

ورغم أن ابن الجنرال لي الأكبر، وكان يدعى جورج واشنطن كاستيس لي، استعاد بحكم القضاء عام 1882، منزل أرلينغتون، مختصماً الحكومة الأمريكية، بأنها صادرت المنزل بصورة غير قانونية، إلا أن الحكومة اشترت المنزل بعد بضعة شهور، مقابل 150 ألف دولار، ما يوازي 5 ملايين دولار اليوم.

ورغم أن المنزل كان يعد رمزاً لانقسام المجتمع الأمريكي خلال الحرب الأهلية، إلا أنه لعب دوراً بعد الحرب، في تعزيز السلام، ولم شمل الأمريكيين. وبعد استسلام جيش الجنرال لي أمام جيش الاتحاد، غادر الزوجان منزل أرلينغتون، ولم يعودا إليه، ثم احتل الاتحاديون المنزل، وصار معسكراً ومقراً لقيادتهم. وفي ما بعد، صادرته الحكومة الأمريكية، بعد عجز ميري زوجة الجنرال لي، عن دفع الضرائب، وخصصت الحكومة المنزل «للاستخدام الحكومي والجيش والأغراض الخيرية والتعليمية».

مقبرة أرلينغتون

مقبرة أرلينغتون الوطنية، بمثابة مقبرة ونصب تذكاري لأشخاص أمريكا البارزين، بما في ذلك رؤساء المحكمة العليا، وأعداد كبيرة من الأبطال العسكريين. تأسست المقبرة خلال الحرب الأهلية، كمكان نهائي لاستراحة جنود الاتحاد، على مساحة 200 فدان تقريباً، من مزرعة أرلينغتون في ماري كاستيس لي، البالغة مساحتها 1100 فدان. تم توسيع الممتلكات على مر السنين، لتشمل أكثر من 624 فداناً من أراضي الدفن، لأكثر من 400 ألف جندي أمريكي.

تقع المقبرة عبر نهر بوتوماك من واشنطن، عند الطرف الغربي للجسر التذكاري في أرلينغتون. وللوصول إليها، يركب الزائر المترو إلى محطة أرلينغتون الوطنية للمقابر، أو يستقل الحافلة السريعة من المول الوطني، أو يمشي عبر الجسر التذكاري.

400 ألف شخص دفنوا في مقابر أرلينغتون، الممتدة على أكثر من 600 فدان، وقد وضعت الورود أمام شواهد القبور، التي كتب عليها أسماء المتوفين وأعوام وفاتهم. من بين هؤلاء، عسكريون وسياسيون وقضاة في المحكمة العليا، ورواد فضاء ومستكشفون، ومن حملوا ميداليات الشرف، وضحايا حروب منذ الحرب الأهلية، مروراً بالحربين العالميتين، الأولى والثانية، وسائر ضحايا الحروب الأخرى، وهو ما يقام بسببه تكريم للجندي المجهول في المناسبات الوطنية.

أول من دُفن في المكان من العسكريين، هو الجندي ويليام كريستمان، في مايو 1864، وفي الشهر التالي، صارت رسمياً مقبرة وطنية، لكنها كانت تتسم بالفصل العنصري، حسب العرق والرتبة، حتى عام 1948، حين ألغى الرئيس الأمريكي الأسبق، هاري ترومان، الفصل العنصري في الجيش، وصارت المقابر تضم الجنود البيض، وذوي الأصل الأفريقي من نسل المحررين من الاستعباد.

جون كينيدي

اثنان من رؤساء الولايات المتحدة دفنا في تلك المقابر، أولهما ويليام هوارد تافت، الذي تولى الرئاسة بين عامي 1909 و1913، والذي كان الوحيد بين سائر الرؤساء، الذي شغل الرئاسة، وبعدها بسنوات شغل منصب رئيس المحكمة العليا، بين عامي 1921 و1930، وتوفي عام 1930.

أما الثاني، فهو الرئيس الأمريكي الخامس والثلاثون، جون كينيدي، الذي اغتيل في نوفمبر عام 1963، وعمره 46 عاماً، ولم يكن قد أكمل ثلاث سنوات في البيت الأبيض، حيث لقي حتفه أثناء مرور موكبه الرئاسي في مدينة دالاس بولاية تكساس بسيارة مكشوفة، عندما أطلقت عليه 3 رصاصات قاتلة، من الطابق السادس من مبنى مدرسي بالمدينة، على يد القناص الأمريكي المنشق إلى الاتحاد السوفييتي، لي هارفي أوزوالد، وكانت مع الرئيس كينيدي زوجته جاكلين، التي قامت بعد دفنه بإشعال «الشعلة الأبدية»، أمام الجدارية التي حفر عليها اسمه.

طباعة Email