أفريقيا بين تحدي التنمية وصراع النفوذ

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لم تكد أفريقيا، التي لا تزال بحاجة إلى نحو 424 مليار دولار للتعافي من تداعيات كورونا، تتحسس طريق الاستفاقة من صدمة الجائحة وما خلفته من تبعات مزلزلة، إلا وجاءت أصداء الحرب في أوكرانيا لتزيد المشهد تعقيداً، وتجعل من عام 2022 كابوساً مزعجاً لأبناء القارة السمراء.

دخلت أفريقيا العام 2022 بطموحات مختلفة، على رأسها تجاوز تبعات كورونا تدريجياً على صعد عدة. بينما الحلم الأكبر تمثل في المضي قدماً نحو تحقيق خطوات عملية جادة لإنهاء النزاعات التي تمزق القارة، وذلك تحت الهدف الأساسي الذي يتبناه الاتحاد الأفريقي منذ 2013 المتمثل في مبادرة «إسكات البنادق».

العام 2022 عكس مسارات مختلفة لتلك الطموحات والأهداف، وبخلاف التبعات المباشرة وغير المباشرة للحرب في أوكرانيا، وما ترتب عليها من آثار انعكست على عديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك ملف الأمن الغذائي، ظلت المشاهد المتواترة هي نفسها التي تغلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل خاص هناك، وإن كانت بوتيرة أعنف نسبياً على عدد من الصعد.

صراعات ونزاعات داخلية ملتهبة، واضطرابات أمنية وسياسية، وإرهاب يجدد استراتيجياته، واقتصادات تئن تحت وطأة تحديات متزامنة، وعوامل تغير المناخ المتسارعة، إضافة إلى دول تكافح في طريق التنمية وتصحيح الدفة، جميعها عناوين رئيسية لعامٍ مليء بالتحديات التي حاصرت الأفارقة كما الأعوام والعقود الماضية.

فاتورة باهظة

لم يزل حلم «إسكات البنادق» يراوح مكانه، حيث دفعت القارة فاتورة باهظة للاضطرابات الأمنية، لتفقد نحو 8495 قتيلاً خلال أول 11 شهراً من العام الماضي، ضحايا الإرهاب والنزاعات وأعمال العنف، طبقاً لما تظهره بيانات عدسة الإرهاب في أفريقيا الصادرة عن مؤسسة ماعت بالقاهرة.

في عام 2021 - طبقاً لمؤشر الإرهاب العالمي- سقط قرابة الـ 7142 قتيلاً جراء تصاعد العمليات الإرهابية بالقارة السمراء، فيما بلغ إجمالي الهجمات الإرهابية 5226 عملية مقارنة بـ 4458 هجمة في 2020 (بزيادة 17 % عن 2019).

ورغم الجهود المبذولة،على الصعيدين الوطني والإقليمي، في سياق مكافحة الإرهاب، إلا أن الإحصاءات الصادرة عن مراكز الرصد المعنية، تكشف بموازاة ذلك تصاعداً نسبياً وتدريجياً للأزمة مقارنة بمعدلات العام الماضي؛ في ضوء تنامي التحديات التي تشهدها القارة السمراء والتي تجعل منها بيئة مليئة بالثغرات يتسلل عبرها الإرهاب.

انقلابات عسكرية

تستغل التنظيمات الإرهابية جملة من الاضطرابات الأمنية والسياسية التي تغلف المشهد في أفريقيا كبيئة لنمو تلك الجماعات، لتحقيق اختراقات دامية توقع آلاف القتلى سنوياً.

وفي هذا الإطار، يعدد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، صلاح حليمة، في تصريحات لـ «البيان» مجموعة من العوامل الرئيسية التي طغت على المشهد العام في أفريقيا خلال عام 2022، وعززت التحديات الأمنية بالقارة مع تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، من بين تلك العوامل ما تشهده عدد من دول القارة من حالة عدم استقرار سياسي، والانقلابات العسكرية التي لم تغب عن المشهد هناك.

تشكل الانقلابات العسكرية عنواناً رئيسياً لتلك الاضطرابات المسيطرة على الساحة بالقارة السمراء، إذ لم يمر عام 2022 دون أن تسجل تلك الانقلابات حضوراً معتاداً في قارة شهدت نحو 200 انقلاب منذ استقلال دولها في أواخر خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي.

تصدرت بوركينا فاسو، واجهة الانقلابات في القارة خلال العام الماضي، إذ شهدت انقلابين عسكريين؛ الأول في يناير، أطاح الرئيس روش كابوري، بينما الانقلاب الثاني في نهاية سبتمبر 2022، أطاح رئيس المجلس العسكري الحاكم حينها بول هنري سانداوغو داميبا.

وخلال العامين الماضيين فقط شهدت القارة أربعة انقلابات عسكرية أخرى (بخلاف انقلابي بوركينا فاسو)، اثنان منها في مالي، (أغسطس 2020 ومايو 2021)، وآخر في تشاد (أبريل 2021)، وانقلاب غينيا (سبتمبر 2021).

عبرت تلك الانقلابات والصراعات على السلطة عن جانب من الأزمات المستوطنة بعديد من دول القارة، والتي أضحت فيها الاضطرابات الأمنية والسياسية والحوادث والهجمات الإرهابية أنباء متكررة ألفتها آذان العالم على مدى عقود مضت، في ضوء تدني الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفقر وسوء الإدارة وعمليات التنمية الهشة، في بعض من دول أفريقيا.

وبينما يشير حليمة إلى اللغط المثار حول دور مجموعات خارجية مسلحة في بلدان أفريقية، وكذا صراع النفوذ الذي تشهده القارة السمراء، فإنه يتحدث في الوقت نفسه عن مزيد من العوامل التي أسهمت في فرض تحديات وتوترات أمنية بالقارة، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء، من بينها تبعات انسحاب القوات الفرنسية من مالي، وتأثير ذلك على نشاط التنظيمات الإرهابية على سبيل المثال في تلك المنطقة.

صراع قبلي

إلى ذلك، يبرز الخبير في الشؤون الأفريقية، الأوضاع المجتمعية، إلى جانب العوامل الأمنية والسياسية، في فرض توترات مستمرة بالنسبة لعديد من الدول، بالنظر إلى النظم القبلية والعشائرية التي تفرض نفسها على المشهد وتفضي إلى جملة من النزاعات التي تدفع ضريبتها القارة.

ويوضح أنه بخلاف العوامل السياسية والأمنية، التي تسيطر على المشهد في القارة، فإن ثمة عوامل اقتصادية مختلفة تخنق الأوضاع داخل أفريقيا، وهي من بين أبرز العوامل التي تجعل منها بيئة حاضنة للإرهاب والتوترات المعتادة.

وعلى رغم غنى القارة بالموارد والثروات الطبيعية، إلا أن عديداً من دولها ترزح تحت وطأة الفساد والاضطرابات والحروب والفقر المدقع، وتصنفها الأمم المتحدة كأقل البلدان نمواً، وفي ضوء ما تعانيه من أزمات تنموية ضخمة، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وأزمات التعليم والصحة وغيرها من المؤشرات التي تعكس حجم الأزمة، وتتناغم بشكل خطير مع التطورات الدولية.

ووفق البنك الدولي، فإن معدلات الفقر المدقع هي الأعلى في قارة أفريقيا، مع وجود أكثر من 60 % من فقراء العالم المدقعين هناك، ويمثل الفقر الحالي بالقارة 40 % من حجم السكان. وتعاني 22 من الدول الأفريقية أوضاع الهشاشة أو الصراع، كما يواجه نحو 346 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي.

تعبر تلك الإحصاءات عن غيض من فيض الأزمات والأوضاع الحرجة التي يعيشها أبناء القارة، والتي تتفاقم يوماً تلو الآخر في غالبية البلدان، برغم جهود التنمية المتباطئة في بعضها بسبب التحديات الداخلية والخارجية. وبينما نجحت دول أفريقية في مجابهة تحديات أمنية واقتصادية، واتخذت خطوات عملية على صعيد التنمية، لا تزال غالبية دول القارة تكافح من أجل الوصول إلى نقطة البداية.

أفريقيا.. إلى أين؟

أمام تلك المعطيات تواجه القارة السمراء مستقبلاً تحده سيناريوهات شديدة الخطورة، وهو ما يعبر عنه خبير الشؤون الأفريقية والأمن القومي، اللواء محمد عبد الواحد، والذي استهل حديثه لـ«البيان» بالإشارة إلى أنه في عام 2013 عندما كانت أفريقيا تحتفل بمرور 50 عاماً على إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، وُضع برنامج طموح بأجندة لعقود خمسة مقبلة، كان من بين برامجها «إسكات البنادق» في 2020، وهو العام الذي جاء بينما كانت النزاعات لا تزال تستشري بالقارة، ما دفع إلى تأجيل المستهدف لعشرة أعوام أخرى، وهو مؤشر يجيب عن سؤال مستقبل الصراعات في أفريقيا بوضوح!

يفسر ذلك بقوله: «الأوضاع مرشحة للتفاقم.. الأزمة في أفريقيا نابعة من مشكلات مرتبطة بالبيئة الداخلية وكذلك التدخلات الخارجية»، مشيراً إلى أن الصراعات داخل القارة وداخل الدولة الواحدة على السلطة والثروة، مع تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية، بشكل خاص في منطقة الساحل، سواء الشق المنتمي لداعش مثل بوكو حرام وغيرها، وكذلك الجماعات المنتمية للقاعدة. وقد استطاعت هذه الجماعات التواجد على الأرض بقوة والسيطرة على مساحات بالساحل.

ويوضح خبير الأمن القومي المختص بالشؤون الأفريقية أن انسحاب القوات الفرنسية من مالي من بين الأحداث البارزة خلال العام، وبما عكس تقلص الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب، وبالتالي التركيز على الجيوش الوطنية التي هي غير قادرة على تحقيق ذلك بمفردها، لا سيما وأن التنظيمات الإرهابية عابرة للحدود والقارات، وبما يستلزم وجود تعاون دولي واسع. ويردف: «شيوع الإرهاب في أفريقيا يمكن رده إلى إهمال المجتمع الدولي».

ويلفت عبد الواحد، إلى أن مكافحة الإرهاب تحتاج لتمويل كبير (..)، مشدداً على أن التنظيمات الإرهابية استغلت الظروف الدولية وانشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى (مثل الحرب في أوكرانيا) وبدأت في إعادة الانتشار وترتيب صفوفها والقيام بعمليات نوعية بمناطق انتشارها.

تغير المناخ

في خطٍ متوازٍ مع التحديات السياسية والأمنية، تأتي انعكاسات أزمة المناخ لتزيد آفاق المشهد داخل القارة السمراء تعقيداً، وفي ضوء ما تشهده من تبعات متواترة لأزمة المناخ، تستغل الجماعات الإرهابية حالة تردي الأوضاع الاقتصادية في عدد من البلدان وظواهر ناتجة عن تغير المناخ مثل الجفاف في بعض المناطق من أجل السيطرة والتمدد، مثلما يحدث في منطقة حوض بحيرة تشاد ونشاط حركة بوكو حرام.

تبعات الحرب في أوكرانيا

تواجه الشعوب الأفريقية مزيداً من التهديدات الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، في ضوء تصاعد خطر المجاعة (أسوأ المعدلات منذ 40 عاماً)، وتزايد معدلات الفقر وغلاء الأسعار ضمن تداعيات الصراع الروسي الأوكراني. بينما على الجانب الآخر تبحث دول أفريقية أخرى عن فرصة لها على هامش الصراع في سياق النظر إليها من جانب الدول الغربية كبديل عن الغاز الروسي.

طباعة Email