مكانة اللغة الفرنسية بأفريقيا في تراجع مستمر

ت + ت - الحجم الطبيعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أقر السبت الماضي، أن مكانة اللغة الفرنسية في القارة الأفريقية تتراجع وعدد مستخدميها يتناقص، لا سيما لدى شعوب منطقة المغرب العربي، على النقيض مما كان عليه الوضع قبل 20 أو 30 سنة.

لكن كلام ماكرون ما هو إلا إقرار بما يحدث منذ زمن وليس الآن. ففي السنوات الأخيرة، تتصاعد في العديد من الدول الأفريقية النزعة الوطنية المطالبة بالتخلص من كل ما له علاقة بفرنسا، بعدما كانت القارة السمراء، تاريخياً، جزءاً من الفضاء الحيوي الفرنسي، بحكم فترة طويلة من الاستعمار.

هذا التراجع تجلى بالعيد من الظواهر، ولعل أبرزها حملات تنادي بالتخلي عن اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية وفي المعاملات الرسمية.

الجزائر نموذجاً

في الجزائر مثلاً، صدرت ورقة نقدية جديدة بقيمة ألفي دينار تظهر عليها اللغة الإنجليزية بدلاً من الفرنسية، فيما ترتفع أصوات تطالب باستبدال الفرنسية بالإنجليزية في المنهاج التعليمي كلغة أجنبية أولى، حيث أنجذ مفتشون للتعليم الابتدائي قبل بضعة أشهر، مسودة مشروع لإصلاح وإعادة هيكلة المرحلة الابتدائية على وزارة التربية الوطنية، تتضمن إدراج اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، بدءاً من السنة الثالثة بمدى لا يتعدى ساعة واحدة.

قبل ذلك، أصدرت وزارات جزائرية عدة قرارات بإلزامية استعمال العربية حصراً في المراسلات والمعاملات الرسمية، ما يعني التوقف عن استعمال الفرنسية في دوائر هذه الوزارات.

في موريتانيا، تتجه الحكومة للتخلص من الفرنسية في المؤسسات التربوية، حيث خرجت عملية تشاورية حول إصلاح النظام التعليمي بتوصية تدعو إلى «اعتماد العربية لغة تدريس، وتطوير اللهجات الوطنية، وخاصة في مدارس الصحة، والمعاهد المهنية، وداخل المخيمات الصيفية للتلاميذ».

وتنص التوصيات الموريتانية على اعتماد العربية لغة موحدة لتدريس المواد العلمية في التعليم الأساسي والثانوي، لتكون بديلة للفرنسية المعتمدة منذ عام 1999 للمواد العلمية الأساسية.

مواجهة الهيمنة

في مالي، ثمة توجه لاستبدال اللغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد، بلغات وطنية أخرى على رأسها العربية و«البامبارا»، مع إمكانية اعتماد اللغة الإنجليزية ضمن مسار للحد من هيمنة الفرنكوفونية.

وخلال جلسات البرلمان الانتقالي التي انعقدت في الآونة الأخيرة، طالب عديد النواب المنتمين إلى كتل سياسية كبيرة ووازنة، بضرورة اعتماد لغات رسمية جديدة لمالي بدلاً من الفرنسية، مثل الإنجليزية والعربية التي تصنّف ضمن اللغات الوطنية، كما نقل موقع «الرأي الجديد» التونسي.

وكان النقاش انطلق في الأوساط الإعلامية والنّخب الجامعية والثقافية المالية بشأن مكانة الفرنسية، بعد أن تضمّنت مسودة الدستور الجديد، الذي طرحه المجلس العسكري الحاكم، فصلاً وحيداً بصيغة فضفاضة بشأن اللغة الرسمية، مع إلغاء التنصيص على مكانة الفرنكوفونية على المستوى الثقافي والتاريخي.

وهيمن النقاش على كامل المجتمع، واخترق الجدل بشأن «دسترة اللغة الوطنية»، جميع المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأصبح السؤال الأكثر إلحاحاً، هو: «هل من الطبيعي أن تكون الفرنسية، بعد 60 عاماً من الاستقلال، هي لغتنا الرسمية الوحيدة»؟

رسائل سياسية

دعوات تضمين العربية ولغات وطنية أخرى في مسودة الدستور الجديد، صدرت عشية القمة الفرنكوفونية في جربة، ما يشكل رسالة إلى باريس بمضي باماكو في فك الارتباط مع الفرنسية التي تحتل مكانة رئيسيّة منذ الاستقلال.

يشار إلى أن نقد فرنسا والعلاقات الفرنسية الأفريقية، نشطت بكثافة خلال السنوات القليلة الماضية، وسط انتقادات لهيمنة اللغة الفرنسية على الشأن الثقافي والاجتماعي والإعلامي في عدة بلدان أفريقية ناطقة باللغة الفرنسية، وتطورت الانتقادات، لتشمل العلاقات الاقتصادية والسياسية القائمة لعقود بين جزء كبير من أفريقيا وفرنسا، وعمليات النهب التي خضعت لها ثروات القارة من قبل «المستعمر القديم»، والتي تستمر إلى اليوم بأشكال مختلفة.

طباعة Email