ألمانيا وإيطاليا الأكثر تأثراً تليهما فرنسا وإسبانيا

الغاز الروسي.. شتاء أوروبي قارس

ت + ت - الحجم الطبيعي

ينتظر أوروبا شتاء مروع على وقع أزمة الغاز، التي ضربت دول الاتحاد الأوروبي في ظل تبعات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، منذ 24 فبراير الماضي، ومع ارتفاع أسعار الكهرباء بشكل غير مسبوق. وتشكل واردات الغاز الروسي نحو 40 % من إجمالي الغاز في دول الاتحاد الأوروبي (بنهاية العام 2021)، وتعتبر روسيا بذلك المصدر الأكبر للغاز لأوروبا، التي تحاول تقليص الاعتماد على الغاز الروسي، مع دعم أوكرانيا في مواجهة موسكو، عبر عقوبات فرضتها على روسيا، التي بادرت لتقليص الإمدادات ووضع أوروبا «في المخنق»، ما هدد أوروبا بشتاء قارس ومظلم ما لم تتخذ إجراءات ناجعة، لضمان تعويض المخزون، فضلاً عن إجراءات جذرية لمعالجة الأزمة.

أزمة طاقة

يقول المدير التنفيذي لمركز كروم في لندن، طارق الرفاعي، في تصريحات لـ«البيان»: إن أزمة الطاقة في أوروبا- وبالأخص أزمة الغاز- بدأت منذ مرحلة ما قبلة العملية الروسية في أوكرانيا، انطلاقاً من عوامل رئيسية؛ أبرزها مرتبط بحركة الاتحاد الأوروبي السريعة نحو التحول لاستخدام الطاقات البديلة بسرعة.

ويشير إلى أن ألمانيا على سبيل المثال أوقفت- قبل العملية الروسية- جميع المفاعلات النووية، بسبب هذا التحول السريع نحو الطاقات البديلة، وهو الأمر الذي أدى إلى الاعتماد بشكل أكبر على الغاز القادم من روسيا مما كان عليه في السنوات السابقة.

ويستطرد الرفاعي: «الاقتصاديون في أوروبا والمحللون يرون أن هذه الأزمة الحالية لها أساسها المرتبط بهذا التحول المذكور، والذي قاد إلى زيادة الاعتماد على موسكو بشكل أساسي لتوريد الغاز»، والآن بعد الحرب ظهرت التداعيات الخطيرة. ويشير إلى أن «هذه الداعيات ليست بسبب انقطاع الغاز من روسيا بقدر كونها بسبب الحظر الاقتصادي من الاتحاد الأوروبي، وهو ما يؤثر على الدول الأوروبية بشكل أكبر من أية دولة أخرى»، في إشارة إلى تبعات المواقف والقرارات الأوروبية إزاء أوكرانيا، وانعكاساتها على دول الاتحاد الأوروبي.

ويلفت إلى أن الدولتين الأكثر تأثراً- واللتين ينتظرهما شتاء قارساً هذا العام- هي كل من ألمانيا وإيطاليا، لجهة اعتبارهما أكبر دولتين تعتمدان على الغاز الروسي، وفي المرتبة الثالثة والرابعة فرنسا وإسبانيا، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الحلول الراهنة -على غرار استيراد الغاز من قطر أو دول أفريقية مثل الجزائر والغاز المسال الوارد من الولايات المتحدة- لن تعوض كبدائل بشكل كامل، إذ لن تستطيع تلبية الاحتياجات الكاملة للاتحاد الأوروبي.

تطورات عاصفة

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي المختص في الشؤون الأوروبية، نزار الجليدي، المقيم في باريس، بأن شتاء أوروبا عموماً هذا العام «سيكون عاصفاً»، مشيراً إلى جملة من التحديات والضغوطات، التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي، وردات فعل شعبية متوقعة.

ويلفت الجليدي في تصريحات لـ«البيان» إلى أنه تحت وطأة الأزمة الراهنة فإن «الأوربيين- والألمان خصوصاً- يتحدثون الآن عن ضرورة تغيير البوصلة والوجهة الأساسية من أجل إيجاد حلول، وكذا تغير كلي في المواقف من الأزمة الأوكرانية».

ويشدد على أن الأزمة تضع أوروبا أمام واقع مرير جداً، وعليه فإنها مجبرة على التفاوض مع من كانوا أعداء يوم أمس، موضحاً في الوقت نفسه أن من بين تلك الحلول الراهنة التوجه إلى جنوب المتوسط، والجزائر بشكل خاص.

ويُبرز الجليدي الوضع في فرنسا، مشيراً إلى أن الرئيس إيمانول ماكرون قالها علناً: إن «زمن الرفاه قد انتهى»، فالفرنسيون صاروا في خندق كبير جداً، والجميع ينتظر بداية سنة سياسية جديدة عاصفة، بعد نجاحات ماكرون في ولايته الأولى، بينما الآن يجد نفسه أمام جملة من التحديات، أولها تداعيات حرب لم تفز فيها أوروبا، ومواقف متذبذبة وقرارات خاطئة بالجملة، إضافة إلى التورط مع الحلف الأمريكي. كما يجد ماكرون نفسه مع برلمان لا يملك فيه شيئاً من القوة، بالتالي سيعيش فترة قلقة جداً تبدأ يوم التاسع من سبتمبر في أول تظاهرات النقابات وربما تنتهي بحلول سياسية لم ترها فرنسا منذ زمن.

ويتحدث كذلك عن أزمة «الجفاف» باعتبارها من أكثر الأزمات التي تواجه أوروبا، وسط مباحثات لإيجاد حلول لتجارة أصبحت كاسدة كانت تمر عبر الأنهار، ومع وجود نقص كبير في عديد من المواد في أوروبا عموماً وفرنسا بشكل خاص، يقود إلى «اشمئزاز شعبي يلوح بتظاهرات ستعم الشوارع الرئيسية قريباً»، مشيراً إلى مساعي ماكرون لتأمين بدائل الغاز من دول عربية.

شتاء صعب

الكاتب والمحلل السياسي الإيطالي، ماسيميليانو بوكوليني، يشير إلى الوضع بالنسبة لروما، ويقول في تصريحات لـ«البيان»: «إن الوضع في إيطاليا الشتاء المقبل سيكون صعباً للغاية، كذلك مع الانتخابات المبكرة التي وصلت في خضم الأزمة وأزمة الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا».

ويضيف: «حتى أكتوبر المقبل لا توجد حكومة في إيطاليا على قدم وساق، وبالتالي فالحالية غير قادرة في الأشهر الأخيرة على الموافقة على قرارات لمنع التضخم والأزمة الاقتصادية، بسبب أزمة الطاقة. بالفعل الآن تضطر عديد من الصناعات والمحلات التجارية إلى الإغلاق، بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، ولا تستطيع الحكومة التدخل لأن الأحزاب السياسية منخرطة في حملات انتخابية».

ويشير إلى أن «انتصار تحالف يمين الوسط في إيطاليا واضح بالفعل بدرجة كافية، وبدلاً من ذلك ستكون هناك انعكاسات على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي من المتوقع حدوث احتجاجات وإضرابات خلال فصل الشتاء»، مشيراً إلى أنه «حتى الآن لا توجد تبعات على تغير السياسات الداخلية جراء أزمة الطاقة، حتى انتخاب حكومة جديدة، بينما على صعيد السياسات الخارجية، فإن روما لن تخرج عن التزاماتها بسياسات الناتو».

طباعة Email