القلق البيئي.. تأثيرات نفسية لـ«أزمة المناخ»

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أزمة المناخ أصبحت واحدة من أهم القضايا التي تفرض نفسها على أولويات الناس حول العالم وتثير مخاوفهم، في ضوء ما يشعرون به من تغيرات ملحوظة، وفي خطٍ متوازٍ مع الاهتمام الذي توليه حكومات العالم والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بهذا الملف شديد الخطورة، وفي ظل التوجه العالمي لتقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وفي ظل تفاقم ظاهرة التغير المناخي والتطورات البيئية المتسارعة، تفاقم «القلق» لدى الناس من الآثار المُدمرة لهذه الأزمة، وهو القلق الذي بات جزءاً من التأثيرات النفسية لأزمة المناخ. وإن كان يتم دائماً بشكل دائم الربط بين التغير المناخي والأوبئة (الحالية والمستقبلية) التي تُهدد العالم، فإن التأثيرات النفسية أيضاً تطفو على السطح بشكل كبير، وقد تناولتها على مدار السنوات الأخيرة عديد من الدراسات التي نبّهت إلى خطورة تلك التأثيرات في مجملها.

وبينما يتداول العلماء مصطلح «القلق البيئي» المُعبر عن مجموعة من الأعراض النفسية الكاشفة عن المعاناة المرتبطة بالتغير المناخي كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن متابعة الأخبار المرتبطة بالمناخ تؤثر في الصحة النفسية لهم، وتؤدي إلى «القلق البيئي» والخوف على المستقبل.

ووجدت دراسة نُشرت العام الماضي أن نسبة تصل إلى 75% من الشباب والمراهقين يشعرون بـ«القلق» جراء أزمة المناخ. وربطت الدراسة بين التغير المناخي وأمراض الصحة النفسية، طبقاً لموقع فري ويل مايند المتخصص في الصحة النفسية.

آثار نفسية

لا يتوقف الأمر عند حد «القلق البيئي»، إذ يقول استشاري الصحة النفسية بالقاهرة الدكتور وليد هندي، في تصريحات لـ«البيان» إن الحالة النفسية للإنسان تتفاعل مع الفصول الأربعة، مشيراً إلى ارتباط بعض الأمراض النفسية ببعض الفصول (مثل اكتئاب الشتاء والخريف)، وهو الأمر الذي تمكن الإنسان من التكيف معه وتوقعه «ولكن التغيرات المفاجئة والسريعة للمناخ وأزمة المناخ الخطيرة وما يترتب عليها من آثار، تترك عظيم الأثر على الحالة النفسية للإنسان بسبب التغيرات المناخية الضارة، لدرجة استدعت وجود فرع جديد من فروع علم النفس وهو: علم النفس المناخي».

ويشير هندي إلى أن «علم النفس المناخي أحد المجالات المستحدثة في علم النفس، ويهدف لفهم آثار التغيرات التي تطرأ في الحالة النفسية للإنسان نتيجة التغير المناخي، واستجابته لهذا التغير ومدى قدرته على التعامل (..) ويهدف علم النفس المناخي إلى تعزيز سبل التواصل مع الجمهور وصناعة رأي عام بشأن تغير المناخ وآثاره النفسية».

ويضيف هندي: «التغير المناخي المفاجئ يغير المزاج العام والحالة النفسية عند معظم سكان الكرة الأرضة، وبدأت تظهر مصطلحات جديدة مثل: الغضب البيئي والكآبة البيئية، وهي مشاعر غضب وتأذٍّ واكتئاب وحزن شديد»، موضحاً أن التأثيرات النفسية الناجمة عن التغير المناخي تأخذ أشكالاً مختلفة، مثل الإصابة بالإجهاد الناجم عن ظروف الطقس.

ويلفت الاستشاري النفسي إلى تأثير التغيرات المناخية في رفع معدلات الانتحار في عدد من البلدان حول العالم، في ظل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب الحاد. كما أن التغيّر المناخي يسهم في زيادة معدلات العنف وضعف الوظائف الإدراكية، علاوة على الأرق وذهان الهوس الاكتئابي. كما ظهرت مجموعة أخرى من المصطلحات ذات الصلة مثل «الحزن الأيكولوجي» أو الحزن المناخي (البيئي) استجابة للخسائر البيئية المترتبة على التغير المناخي. كما أن هناك مرضاً آخر وهو «القلق البيئي» الذي كان يعانيه المسؤولون عن متابعة تطورات المناخ، وانتقل إلى الناس العاديين مع توسع الاهتمام العالمي بمتابعة أزمة المناخ. ومرض نفسي آخر هو سولاستالجيا، وهو مصطلح حديث في دراسة المشاعر الإنسانية يتم ربطة بالبيئة والمناخ، والحنين لمناخ البلد القديم.

الصحة العقلية

في عام 2017 نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس تقريراً حمل العنوان (الصحة العقلية ومناخنا المتغير) وهو التقرير الذي تحدث عن مخاوف الجيل الحالي من تبعات أزمة المناخ (المخاوف المرتبطة بالهلاك البيئي أو المستقبل الغامض للبشرية في ضوء تسارع التغيرات المناخية) وآثار ذلك النفسية واسعة المدى.

ومن بين تلك الدراسات التي تناولت التأثير «النفسي» للتغير المناخي، الدراسة التي نشرت نتائجها في 2018 بمجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية عام 2018، والتي وجدت أن هناك صلة بين التعرض إلى الطقس المتطرف وتدهور الصحة العقلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الدراسة تم إجراؤها بعد جمع معلومات عن عينة من مليوني شخص بالولايات المتحدة الأمريكية على مدار عقد كامل، بالمقارنة ببيانات الأرصاد الجوية، ورصد طبيعة المتغيرات التي تطرأ (ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار)، ووجد الباحثون أن للتطورات المناخية صلة بمفاقمة المعدلات الخاصة بأمراض الصحة العقلية.

من جانبها، تشير الاستشارية النفسية الدكتورة جيهان النمرسي، إلى أن صحة الإنسان تتأثر بالمناخ وتغيّراته، سواء الصحة الجسدية أو النفسية، موضحة في تصريحات لـ«البيان» أن ثمة عديداً من الأعراض النفسية المصاحبة لأزمة المناخ، وأبرزها «الاكتئاب».

وتقول النمرسي إن صحة الإنسان النفسية تتأثر بالمناخ بشكل مباشر، وليس أدل على ذلك مما يعرف بـ«اكتئاب تغيّر الفصول» الذي يعانيه البعض، والذي يؤكد الارتباط بين المناخ والحالة النفسية، ذلك أن كثيرين يعانون أعراضاً مثل الشعور بالحزن والخمول والاضطراب في المزاج والتقلب العاطفي، والرغبة في العزلة والحزن غير المبرر، إضافة إلى الشعور بالكسل.

وبالتالي فمن البديهي أن يصاحب التغير المناخي عديد من الآثار والأمراض النفسية، ومن بينها الخوف أو الذعر من الآثار المستقبلية للتغير المناخي أو ما يعرف بالقلق البيئي.

كما تشير في الوقت نفسه إلى أنه «لا نستطيع أن ننكر أن اضطرابات المناخ تؤثر في صحة الإنسان العامة، ففي تعاظم درجات الحرارة تتأثر الحالة الجسدية للإنسان ما يؤدي إلى تغير الحالة النفسية، وقد تبين أن النسبة الأكبر من الناس يتنفسون هواء غير صحي ناجماً في الأساس عن حرق الوقود، الأمر الذي يقود بدوره إلى استثارة الأعصاب، والدخول في نوبات من الغضب غير المبرر، إلى جانب الشعور بالتوتر والإحباط».

الظواهر المناخية

وتوضح الاستشارية النفسية أن مخ الإنسان (بوساطة مركز الحرارة في المنطقة الأمامية من الدماغ) يعمل على تنظيم الحرارة في الجسم من أجل التكيف مع درجات الحرارة الخارجية، وعند الانحراف المناخي أو الظواهر المناخية غير الطبيعية مثل ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير، تزيد تلك المنطقة الإفرازات المسؤولة عن معادلة درجة الحرارة، ما يؤدي لاستثارة الأعصاب، وهو ما ينعكس على الحالة النفسية.

وذكر تقرير سابق لمنظمة الصحة العالمية، أن الاكتئاب ما بعد الصدمة والتفكير الانتحاري وقضايا الصحة النفسية، جميعها ظروف أو أعراض حساسة للمناخ، وهو ما ذكرته الباحثة المختصة بتغير المناخ والصحة النفسية كاتي هايز التي لفتت إلى تسارع الظواهر المناخية، كالفيضانات التي كانت تحدث في فترات متباعدة لم تعد كذلك، وربطت بين عوامل أزمة المناخ والإصابة بالاكتئاب والقلق، وفق ما جاء في مقال لها بالمجلة الدولية لأنظمة الصحة النفسية.

وربطت دراسة حديثة أعلنت نتائجها العام الجاري في جامعة كوبنهاغن، بين التغير المناخي وتغير أنماط النوم، عادّةً أن ارتفاع درجات الحرارة من شأنه التأثير في مدة النوم.

وفي الختام، تقدم الاستشارية النفسية عدداً من النصائح المساعدة على مواجهة الآثار النفسية للتغير المناخي، ومن أهمها ضرورة الحذر من التعرض لهاجس التغير المناخي، ومحاولة عدم الخروج في درجات الحرارة المرتفعة قدر الإمكان، والوجود في أماكن مكيفة وباردة، وتجنب الازدحام. كما تنصح كل من يجد في نفسه أعراضاً مرتبطة بحالة نفسية مرضية ناتجة عن آثار التغير المناخي بضرورة زيارة المعالجين المتخصصين.

طباعة Email