تفشـي الأوبئة.. التغير المناخي المتهم الأول في تنامي الظاهرة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

شهدت الحضارة الإنسانية على مر تاريخها عدداً من الأوبئة التي حصدت أرواح الكثيرين، والتي كان أحدثها، وليس آخرها، جائحة كوفيد 19، التي كشفت مدى هشاشة العالم، وشكلت زلزالاً مُدوياً على الصُعد كافة، في وقت يُتوقع أن يشهد العالم مزيداً من الفيروسات والأوبئة سريعة الانتشار، في ظل عوامل عدة مساعدة، من بينها ظاهرة التغير المناخي التي تلقي بظلال وخيمة على صحة الإنسان وتهدّد العالم بأسره.

التأثير العميق للتغير المناخي على النظم البيئية يهدد البشرية بمزيد من الأوبئة مستقبلاً، ما لم يتم التحرك بشكل جاد في إطار الالتزام بالتعهدات الدولية المرتبطة بالتصدي لأزمة المناخ، ومقررات اتفاقية باريس المتعلقة بتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول العام 2030 بنسبة 50%، مع اعتبار (1.5 درجة مئوية) الحد الأدنى لدرجة الحرارة العالمية التي حددتها الاتفاقية بشأن تغير المناخ، وعدم تخطيها.

ويمكن هنا الحديث بشكل أساس عن ثمانية عناصر أساسية توجز أثر التغيرات المناخية على الصحة العامة، لجهة تسبب أزمة المناخ في عديد من الأمراض المختلفة التي تهدد حياة الناس، أولها الأمراض الحساسة للمناخ (على رأسها الأمراض المنقولة، ومنها: الملاريا وحمى الدنج والليشمانيا وغيرها)، والأمراض التنفسية والقلبية، إضافة إلى تداعيات الإنهاك الحراري، فضلاً عن الحروق والإصابات، والأمراض المرتبطة بالفيضانات (مثل الكوليرا وحمى الدنج)، بالإضافة إلى الأمراض الطفيلية المرتبطة بندرة المياه، وكذا الأمن الغذائي والتسممات الغذائية، جنباً إلى جنب، وأمراض الصحة النفسية.

حدد العناصر الثمانية المذكورة رئيس قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة المصرية، الدكتور علاء عيد، في تقرير شامل له نشره مركز المعلومات التابع لرئاسة الوزراء.

عوامل الخطر

عضو الاتحاد الدولي لمكافحة العدوى، الدكتور وائل صفوت، يُسلط الضوء بشكل خاص على ثلاثة من العوامل الرئيسية للربط بين انتشار الأوبئة والتغير المناخي، واعتبار أزمة المناخ واحدة من المسببات الرئيسية لتفشي الأمراض سواء في الفترة الحالية أو في المستقبل.

العامل الأول، بحسب صفوت، يرتبط بالتغيرات الحادة في درجات الحرارة في سياق أزمة المناخ العالمية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على صحة الإنسان، ويؤدي إلى ما يعرف بـ«الإجهاد الحراري» الناتج عن الاحترار العالمي، وعليه تكون مناعة الإنسان أقل، واستعداده للأمراض أكبر، وهو ما يعزز فكرة تفشي الأمراض والأوبئة الناجمة عن التغير المناخي.

وخلال حديثه مع «البيان» من العاصمة المصرية «القاهرة»، يشير صفوت إلى عامل آخر مرتبط بالتلوث الناجم عن الانبعاثات المضرة للبيئة، التي تسهم في إضعاف الجهاز المناعي للإنسان، من خلال انتقال الفيروسات عبر الأجسام العالقة الناجمة عن الانبعاثات، والتي يصاب بها الإنسان، وبما يهدد بتفشي الأمراض والأوبئة.

ويضيف إلى ذلك العامل المرتبط بتلوث المياه والغذاء المتعلق بأزمة المناخ وتداعياتها المُهددة للعالم بأسره، وهو ما ينتقل إلى الإنسان بالشكل نفسه ويهدد بالإصابة بعديد من الأمراض وتفشي أوبئة مختلفة حول العالم حالياً ومستقبلاً.

آلاف الفيروسات

وتضاف عدة عوامل مختلفة إلى العوامل سالفة الذكر، من بينها على سبيل المثال تأثّر الحيوانات بأزمة المناخ، وهجرتها الحالية والمستقبلية إلى بيئات مختلفة عن بيئاتها الرئيسية هرباً من ضغوطات التغير المناخي، والتقاؤها بفصائل أخرى، ما قد يتسبب في طفرات فيروسية، الأمر الذي قد يتسبب في انتشار الأمراض المنتقلة من الحيوان للإنسان.

كما يحتمل أن تؤدي سخونة المناخ إلى توسيع رقعة المناطق القابلة لانتشار الأمراض المعدية، أي الأمراض التي تنقل جرثومة (ميكروب، فيروس، وخلافه) من المريض إلى الأصحاء، بواسطة «ناقل» غالباً ما يكون حيواناً صغير الحجم، ينقل العدوى إلى الإنسان، إما بلسعة (الذباب والبعوض مثلاً) أو بعضّة (البرغوث أو بق الكلاب وخلافه).

وحذرت دراسة أمريكية حديثة من زيادة احتمال ظهور فيروسات جديدة وأمراض معدية بسبب التغيّر المناخي، ودعت إلى تكثيف الجهود للحد من الأسباب المؤدية لزيادة الاحتباس الحراري.

وبحسب الدراسة التي أجريت في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن التغيّر المناخي سوف يسهم في انتشار آلاف الفيروسات المختلفة بين أنواع الحيوانات بحلول العام 2070، ما يرفع من توقعات ظهور أمراض معدية مع تزايد خطر انتقالها من الحيوانات إلى البشر، لا سيما في قارتي أفريقيا وآسيا بشكل خاص.

النظم البيئية

يفسر ذلك لدى حديثه لـ«البيان» رئيس الاتحاد النوعي للتغيرات المناخية، الدكتور مجدي علام، بالإشارة إلى التأثير الهائل لتغير المناخ على النظم البيئية كافة، وعلى انتشار الأوبئة والفيروسات بشكل متسارع، مشدداً على أن العلماء أجمعوا على أن الطفرات البيولوجية التي حدثت على مدار التاريخ بالنسبة للحيوانات إنما سببها الرئيسي هو التغير المناخي، باعتبار أن عوامل المناخ تدفع إلى اختفاء وظهور بعض الكائنات.

وطبقاً له، فإن تدهور النظم البيئية يسهم بشكل مباشر في انتشار الأوبئة لارتباط صحة الإنسان بالنظم الإيكولوجية، لا سيما صحة الكائنات الأخرى (النباتات والحيوانات).

ويشير إلى أن الانحراف المناخي، وارتفاع درجة الحرارة أو انخفاضها بشكل كبير يؤثر على جميع الكائنات، من أصغر كائن، وهو الفيروس، إلى أكبر كائن على الأرض، بما يهدّد بتلك الطفرات المذكورة التي تخل بالتوازن البيئي، بما يؤثر بشكل أساسي على قدرة الإنسان على التحمل.

عودة القديم

وعليه فإن العالم مهدد بعودة معظم الأوبئة والفيروسات التي سبق وانتشرت في فترات سابقة، إضافة إلى أوبئة جديدة، في ظل تسبب التغير المناخي في إعادة تحوّر الفيروسات والطفرات الهائلة التي تشهدها، والتي تصل معها إلى درجة الشراسة، مشيراً إلى أن التغير المناخي كان سبباً في انتشار مختلف الأوبئة التي شهدها العالم مثل الطاعون والملاريا وغيرها من الأوبئة والكوليرا والسل.

ورصد تقرير العد التنازلي لمجلة «لانست» السنوي، في الربع الأخير من العام الماضي، 44 مقياساً تناول من خلالها التأثيرات الصحية لجائحة التغير المناخي، تضمن ذلك تأثير أزمة المناخ على انتقال الأمراض المعدية وإنتاج الأغذية. وحذر التقرير من أن عدداً من التداعيات، من بينها ارتفاع درجات الحرارة تسبب في انتشار أمراض شديدة الخطورة، مثل الملاريا والكوليرا.

طباعة Email