الحرب في أوكرانيا قد تقوّض الاستراتيجية الأمريكية في آسيا

ت + ت - الحجم الطبيعي

تؤكد حصيلة عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ثم الرئيس الحالي جو بايدن، عن معضلة أمريكية في إدارة الهيمنة والتنافس مع الخصوم الاستراتيجيين. فلم تنجح إدارة ترامب في انتهاج سياسة متوازنة لمواجهة كل من الصين وروسيا، فكان التركيز على بناء تحالف رباعي ليبرالي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا كجبهة متقدمة ضد الصين لتأدية وظيفة شبيهة بـ«الناتو» فيما يخص روسيا.

مع تفجر الحرب في أوكرانيا، انجرف الرئيس بايدن سريعاً مع الخطابات الحماسية الحادة ضد الرئيس الروسي بوتين. وفي النتيجة، تعيش الدبلوماسية الأمريكية حالة ارتباك لاضطرارها إلى تركيز جهودها على أوروبا وروسيا مجدداً وهو ما يترك ساحة المحيط الهادي وشرق آسيا رهناً بدرجة تفاعل الصين مع العقوبات على روسيا. ففعالية هذه العقوبات الغربية المتسلسلة لن تثمر عن نتائج في حال التفّت الصين عليها وكثفت تعاملاتها الاقتصادية مع موسكو.

ستيفن ويرثيم، الأستاذ في معهد كارنيغي للسلام، نشر مقالاً في مجلة «فورين أفيرز»، حذر فيه من الاندفاع الأمريكي نحو الأزمة الأوكرانية على حساب تقويض استراتيجيتها في المحيط الهادي وآسيا. وانتقد ويرثيم تصريح وزير الدفاع الأمريكي السابق، روبرت غيتس الذي كتب: «لم يعد بإمكاننا التظاهر بأن تركيز الأمن القومي في المقام الأول على الصين سيحمي مصالحنا السياسية والاقتصادية والأمنية»، مبرراً ذلك أن المجازفة الروسية - على حد تعبيره - في أوكرانيا يشكل أيضاً تحدياً كبيراً لمصالحنا وأمننا.

ويقول الكاتب إن الهجوم على أوكرانيا جعل التهديد الروسي عميقاً، لكنه لم يفاقم التهديد في الواقع. ويضيف: يبدو أن غيتس يخلط بين كارثة إنسانية وبين تهديد للولايات المتحدة. كما أكدت إدارة بايدن، فإن المصالح الأمنية الأمريكية الحيوية ليست على المحك في أوكرانيا، وبالتالي لن تتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر ضد القوات الروسية. وفق وجهة نظر ستيفن ويرثيم، فإن الصين هي ثاني قوة في العالم بعد الولايات المتحدة، والتغاضي عن ذلك لحساب التركيز على روسيا سيضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية.

مقترحات الانضباط الاستراتيجي

ويضع ستيفن ويرثيم مقترحات لتعزيز الانضباط الاستراتيجي الأمريكي، أبرزها:

دعم أوكرانيا مع تجنب التصعيد إلى صدام مباشر بين القوات الأمريكية والروسية. كما يجب على إدارة بايدن تجنب التضخيم الخطابي لأهدافها والتمسك بهدف واضح ألا وهو: ليس الدفاع عن أوكرانيا بل مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها وإنهاء الحرب. وفقاً لذلك، يجب على الإدارة الأمريكية الضغط من أجل تسوية سلمية بنفس القدر من القوة التي أظهرتها في تدفيع روسيا الثمن.

يكاد يكون من المؤكد أن الاتفاق التفاوضي سيتطلب رفع بعض أقسى العقوبات على روسيا، بما في ذلك تجميد أصول البنك المركزي الروسي. يجب على الإدارة أن ترسل عرضاً استباقياً لتخفيف العقوبات إلى موسكو، التي قد لا تعتقد أن مثل هذا التخفيف ممكن بدون ذلك. بالتزامن مع ذلك، على أوكرانيا أن تتعهد بالتخلي عن محاولة الانضمام إلى حلف الناتو، ويجب أن يكون بايدن أيضاً مستعداً للإعلان علناً عن أن الولايات المتحدة تعارض المزيد من النظر في آفاق عضوية أوكرانيا، والتي لم تكن أبداً عالية في البداية.

في حال تجنب أسوأ النتائج في أوكرانيا، يجب على بايدن الاستفادة من فرصة تحدث مرة واحدة في كل جيل لوضع النظام الأمني ​​الأوروبي على طريق الاكتفاء الذاتي. بفضل التفوق الاقتصادي والديموغرافي الهائل، أصبحت أوروبا أكثر قدرة على تطوير القوة العسكرية لموازنة روسيا. الآن، يبدو أنها مستعدة بشكل متزايد للقيام بذلك. لكن إذا لم تبتعد واشنطن عن طريقها، فلن يحدث التغيير.

تشتيت انتباه واشنطن

ويرى ويرثيم أن العلاقات مع إيران (الملف النووي) قد تقفز على رأس جدول أعمال بايدن قريباً مع قرب التوقيع على الاتفاق حول الملف النووي. وإذا انهارت تلك المحادثات، فسيتعين على إدارة بايدن أن تقرر ما إذا كانت ستدعم ضربة عسكرية لإيران، على الرغم من أنها ستنظر على الأرجح إلى البلاد على أنها مصدر قلق ضئيل وإلهاء عن أوكرانيا. لكن - وفق الكاتب - حتى أوكرانيا تشتت الانتباه عما كانت الإدارة تأمل في التركيز عليه: المنافسة مع الصين، ناهيك عن إنقاذ الديمقراطية الأمريكية، والتخفيف من الوباء، والحفاظ على كوكب صالح للسكن.

ويوضح الأكاديمي ويرثيم أن الدعوة إلى حرب باردة ضد الصين وروسيا معاً ستجعل الأمريكيين يتحملون أعباء هائلة، داعياً الولايات المتحدة إلى التصالح مع حقيقة أنه لم يعد بإمكانها الحفاظ على الهيمنة العسكرية العالمية بالمستوى الحالي من الجهد والإنفاق، ومن المفترض الآن أن تضخ موارد أكبر من أي وقت مضى في هذا المسعى.

في الخمسينيات من القرن الماضي، حين دشنت الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تمثل حوالي 27 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي، أي ما يقرب من ضعف الحصة السوفيتية والصينية مجتمعة البالغة 14 في المئة في ذلك الوقت. أما في عام 2020، شكلت الولايات المتحدة 16% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ووصلت نسبة الصين وروسيا معاً إلى 22 في المئة.

طباعة Email