ميركل قاهرة التحديات

يصف الكثيرون أنجيلا ميركل بـ «المستشارة الحديدية»؛ وهو اللقب الذي يعود إلى أوتو فون بسمارك والد الدولة الألمانية الحديثة وموحدها. وتعتبر ميركل من أهم اللاعبين السياسيين في العالم، وقائدة ألمانيا القوية، التي سمحت لها قوتها الاقتصادية بأن تقود ركب القارة الأوروبية.

ولدت المستشارة الألمانية في 17 يوليو عام 1954 في هامبورغ بألمانيا الغربية حينها، لتنتقل عائلتها مع والدها رجل الدين في العام ذاته إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي كانت تسمى ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت.

درست ميركل الفيزياء في جامعة ليبزيغ، ومن ثمّ حصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء الكمية من معهد الكيمياء الفيزيائية المركزي بأكاديمية العلوم في برلين.

ومع انهيار جدار برلين في عام 1989، التحقت ميركل بحركة الصحوة الديمقراطية التي أسستها مجموعات كنسية معارضة في ألمانيا الشرقية حينها، لتصبح ناطقة باسم الحركة وباسم حكومة إدارة الوحدة بين الألمانيتين في عام 1990، قبيل اندماج الحركة في الاتحاد الديمقراطي خلال العام نفسه.

تمّ تعيين أنجيلا ميركل وزيرة لشؤون المرأة والشباب، ومن ثمّ وزيرة للبيئة في حكومة المستشار هلمت كول، قبل أن تصبح في عام 2000 قائدة للاتحاد. وفاز ادموند ستويبر عام 2002 على ميركل في انتخابات الاتحاد لاختيار مرشحه لمنصب المستشار، ثم خسر ستوبير أمام غير هارد شرودر، رغم التوقعات التي كانت تصب في صالح الاتحاد المسيحي.

وبزغ عهد أنجيلا ميركل في منصب المستشارة الألمانية في عام 2005 عندما فازت في الانتخابات بفارق ثلاثة مقاعد فقط على منافسها شرودر، لتصبح مستشارة بعد أن عقدت صفقة تحالف بين يمين الوسط والاشتراكيين. وأصبحت ميركل أول أمرأة تقود البلاد منذ قيام ألمانيا الحديثة عام 1871، وأول مستشارة لألمانيا الموحّدة.

في عام 2007، ترأست ميركل المجلس الأوروبي كما ترأست مجموعة الثماني، وهي ثاني امرأة تشغل هذا المنصب، إذ لعبت دوراً رئيسياً في مفاوضات معاهدة لشبونة وإعلان برلين. ووضعت ميركل نصب عينيها تعزيز العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، ولعبت دوراً حاسماً في إدارة الأزمة المالية على المستوى الأوروبي والدولي.

قادت ميركل في عام 2009 تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي إلى انتصار كبير سمح لها بتجديد ولايتها بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الحر، إلّا أنّ حليفها مُني بهزيمة تاريخية في انتخابات عام 2013 وخرج من المجلس، لتتجه ميركل إلى التحالف مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي.

أقسمت حكومة ميركل الثالثة اليمين الدستورية في 17 ديسمبر 2013 لولاية جديدة مدتها أربع سنوات. استند برنامج ميركل في ولايتها الثالثة على خفض نسبة البطالة، لتنجح في تحقيق هدفها المعلن وخفض البطالة من 11 % إلى ما دون الستة في المئة.

نجحت ميركل بحنكتها في إنقاذ ألمانيا من الأزمة المالية التي ضربت العالم في عام 2008، وذلك عبر تدخلات حكومية موضعية، فضلاً عن إشرافها على التعامل مع الأزمتين الاقتصاديتين الإيرلندية واليونانية، كما نالت رضا الشعب بطريقة إدارتها لأزمة اليورو. وحقّقت ميركل إنجازات داخلية في قطاع الخدمات الصحية وخفض نسب البطالة ومشروعات الطاقة.

قضايا وتحديات

واجهت ميركل خلال سنواتها الـ 15 في المستشارية، عدداً من القضايا والتحديات على الصعيد الوطني والأوروبي والعالمي، أبرزها الأزمة الاقتصادية العالمية، وموجات الهجرة الواسعة إلى أوروبا وتعاملها مع اللاجئين، فضلاً عن قضايا الإرهاب والعنف والتطرّف، وقضية التجسس الأمريكية عليها في 2013.

ورغم ما أظهرته ميركل من مقدرة على الصمود ومواجهة التحديات، كانت عرضة كذلك للانتقاد في بعض منها، لا سيما في ما يتعلق بموجات تدفق اللاجئين إلى أوروبا وألمانيا من الشرق الأوسط وأفريقيا والبلقان.

في عام 2015، وبخلاف الأصوات الأوروبية والغربية حينها، التي كانت تنادي بإغلاق الحدود وتشديد الرقابة بين الدول، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فاجأت ميركل الألمان، بإعلان أن حق اللجوء لا يوجد فيه حد أقصى. وسعت إلى الإبقاء على فتح حدود بلادها أمام جميع اللاجئين مع اشتداد أزمة الهاربين من الحروب والمجاعة نحو أوروبا، ومقتل الآلاف منهم في البحر الأبيض المتوسط، فواجهت معارضة كبيرة في بلادها بعد دخول أكثر من مليون لاجئ ومهاجر إليها، ما أدى إلى تراجع شعبيتها إثر ذلك.

أقوى امرأة

وُصفت ميركل على نطاق واسع بحاكم الأمر الواقع لزعامة الاتحاد الأوروبي، وسميت ميركل مرتين ثاني أقوى شخص في العالم من قبل مجلة فوربس، وهو أعلى تصنيف من أي وقت مضى حققته امرأة في 2015، كما سميت ميركل من قبل مجلة التايم شخصية العام مع صورة على غلاف المجلة واصفة إياها بمستشارة العالم الحر.

في 26 مارس 2014، أصبحت ميركل أطول رئيس حكومة خدمة في الاتحاد الأوروبي وهي حالياً زعيمة مجمع السبع دول. سميت ميركل أقوى امرأة في العالم برقم قياسي للمرة العاشرة من قبل فوربس، في مايو 2016.

اقتراب الوداع

وكان عام 2020 أصعب فترات ميركل في المستشارية على الإطلاق طوال 15 عاماً قادت فيها البلاد، بسبب فيروس كورونا، إذ إنّ الآمال تحذوها في تخطي هذا الواقع عبر التوسّع في حملات التطعيم وتوزيع أكبر عدد من اللقاحات، وتنظر لعام 2021 على أنّه عام الأمل في التخلص من الجائحة والعودة مرة أخرى إلى الحياة الطبيعية.

تقترب ولاية ميركل الرابعة والأخيرة من نهايتها، بعد انتخاب أرمين لاشيت، رئيساً للاتحاد الديمقراطي المسيحي تمهيداً لقيادة المعسكر المحافظ للانتخابات العامة في سبتمبر المقبل خلفاً لها، تاركة إرثاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، استحقت إثره ألقاب «السيدة الحديدية»، و«أقوى امرأة في العالم»، وفق توصيفات العديد من الصحف والمجلات العالمية، فضلاً عن لقب «الأم» كما يروق للألمان تلقيبها.

طباعة Email