انتفاضة المودعين في لبنان.. مشهديات اليأس «بالمفرّق»!

ت + ت - الحجم الطبيعي

على قاعدة «العين بالعين، والبادئ أظلم»، لا يزال المشهد في لبنان يضجّ بـ «الانتفاضة» الحاصلة على المصارف، الأشبه بالحراك الثوري بـ «المفرّق»، والتي بدأت تتمدّد بين المودعين لتحرير ودائعهم بسواعدهم، وتلقى رواجاً في صفوف موظفي الدولة وأفراد السلك العسكري، وصولاً إلى نواب الأمة، مع انضمام النائب سينتيا زرازير، أمس الأول، إلى قائمة مقتحمي البنوك لاسترجاع وديعتها. وذلك، في مشهد ذكّر الكثيرين بأغنية الرحابنة الشهيرة: «بهالبلد كلّ شي بيصير»، و«يللي صار» بالمختصر، وفق قول أحدهم لـ «البيان»، إن نائبة في البرلمان انضمت إلى «الهيئة العامة»، وشرعت في بنك «بيبلوس» قانوناً، أجاز لها إجراء عملية جراحية معجلة.

حجز أموال الناس
نائبة تعتصم في مصرف، وزير يشرف على إضرام النيران أمام المصرف المركزي، وما بينهما حركة اقتحامات عدّة نفذها مودعون، و«براحة البال» من دون سلاح. هذا ما آل إليه المشهد الذي ستعتاد عليه المصارف يومياً، بعدما طال حجز أموال الناس لنحو ثلاث سنوات، خالية من أي سلاح تشريعي أو حكومي، أو تدابير مصرفية تعيد الحق إلى أصحابه، ما لم يترك للمودع أي خيار آخر، بحيث انتشرت ظاهرة الاقتحام التي بدأت بالعنف، ثم انخفض منسوبها إلى السلاح الوهمي، قبل أن تتحول إلى «خبطات» مفاجئة منزوعة السلاح، كما كان عليه مشهد الوزير عصام شرف الدين، الذي أشرف على عملية إضرام النار أمام المصرف المركزي، ضمن حركة الاحتجاج التي نظمتها جمعية «صرخة المودعين»، للمطالبة بإلغاء تعاميم تقتطع أكثر من 70 % من أموال المودعين، وصولاً إلى مشهد زرازير التي غطت عملية دخولها إلى المصرف بحصانتها التشريعية، بحيث لم تلجأ إلى السلاح، بنوعيه الناري والوهمي، وحصلت بعد 5 ساعات على مبلغ 8500 دولار.

ورقة تعهّد
وفي ما يبدو أن موجة اقتحام المصارف، لن تستكين في المدى المنظور، وقد تصبح من يوميات مشهديات اليأس اللبنانية، وفق استشراف مراقبين، فإن مجمل الاقتحامات التي حصلت حتى الساعة، نجحت في تحقيق أهدافها بتحرير وديعة هنا، أو جزء من وديعة هناك، بـ «الفريش» دولار والليرة اللبنانية. أما الجديد في مسلسل السعي للحصول على الودائع المنهوبة، فتمثل بما برز مؤخراً، لناحية إعداد إدارات المصارف «ورقة تعهّد»، تطلب فيها من كلّ مقتحم بنك، التكتّم، وعدم الإفصاح عن حصيلة الأموال التي تقاضاها من وديعته بنتيجة المفاوضات معه، وهذا ما جرى مع النائبة زرازير، التي رفضت التوقيع على هذه الورقة، بعد استرجاعها مبلغ 8500 دولار أمريكي من بنك «بيبلوس»، بينما آثر المؤهل المتقاعد في قوى الأمن الداخلي، حسين شكر، التزام الصمت، مكتفياً بالقول إثر مغادرته فرع مصرف «الاعتماد اللبناني»، في محلة حارة حريك «الضاحية الجنوبية لبيروت»: «مشي الحال ما بقدر إحكي أكثر، والجماعة طلعوا أوادم»، في إشارة إلى أنه استرجع وديعته من المصرف.

 مخاوف
وعليه، ارتفع منسوب المخاوف من إمكانية أن تسلك الأمور اتجاهات لا تُحمد عقباها على مستوى الأحداث المتصاعدة التي شهدتها المصارف في الآونة الأخيرة، في حال لم يبادر المسؤولون إلى إيجاد الحلول العاجلة لأزمة المودعين. كما ارتفع منسوب التحذيرات، في هذا السياق، من خطر تحول بعض هذه الأحداث على المدى الطويل، إلى أحداث دموية نتيجة «فورة غضب» أو «سوء تقدير». ذلك أن النظام المصرفي في لبنان، وفق تأكيد مصادر متابعة لـ «البيان»، دخل في وضع، بات يستدعي معالجة جذرية، تتجاوز إعادة هيكلة المصارف، لتطاول التصاعد المثير للقلق، والمخاوف في الأمن المصرفي والاجتماعي المتداخل بقوة، في شبه «حرب أهلية» بين المصارف والمودعين، في ظل غياب الدولة تماماً عن المشهد، في الفعل وردّ الفعل، حتى إن الخشية على المودعين والموظفين في المصارف، تغدو متوازية ومتساوية عند كل حادث «اقتحام». تختم المصادر.

وفي الانتظار، يتكرر المشهد ويتصاعد كـ «كرة الثلج»، منذراً بتفاقم أوسع، وبعدوى أكثر اتساعاً، ما دام الحد الأدنى من الضمانات للمودعين في حاجاتهم الأشد إلحاحاً مفقوداً، وبالتالي، أخذ الحقوق عنوة وبالقوة، مع ما يعنيه الأمر من محاذير خطيرة في إشاعة تفلت، سرعان ما ينذر بفوضى خارجة على الضبط والاحتواء.

 

طباعة Email